“اَلْعَدَالَةُ وَالتَّنْمِيَّةُ” وَالِانْشِقَاقُ الْمُحْتَمَلُ! – جريدة اشتوكة ابريس

“اَلْعَدَالَةُ وَالتَّنْمِيَّةُ” وَالِانْشِقَاقُ الْمُحْتَمَلُ!

صالح أيت خزانة

لازال حزب العدالة والتنمية يخلق الحدث في الأوساط السياسية كما عند عموم المواطنين. ولازال شأنه الداخلي يثير لهفة وفضول متتبعي الشأن السياسي المغربي. ولا زالت سيناريوهات المحللين، كما الخصوم، تتداعى تتراً على النقاش السياسي المغربي؛ بين من يشيد بحنكة مناضلي الحزب في تدبير ملف “الولاية الثالثة” وهم قلة قليلة من عقلاء المحللين المغاربة الذين اعتبروا الحسم الذي انتهى إليه المجلس الوطني الاستثنائي الأخير في أمر هذه الولاية، انتصارا للديمقراطية الداخلية التي ظل الحزب يمتاز بها عن سائر الأحزاب الوطنية. ومن اعتبر النتيجة التي خلص إليها المجلس الوطني إيذانا ببوادر انشقاق محتملة سيعرفها الحزب، وسيكون المؤتمر الوطني القابل مسرحا لها. وهذا التوجه يمثله مجموعة من المحللين السياسيين، والخصوم الأيديولوجيين لحزب بنكيران ممن يعتبر الحزب الإسلامي، حزبا كسائر الأحزاب، يسري عليه في المشهد الحزبي الوطني المهترئ ما يسري على بقية الدُّمَى والدكاكين الحزبية الوطنية، من تشظٍّ، وصراعات. فكل ما يروج عن هذا الحزب- زعموا- من النزاهة، والصدق، والتماسك، والديمقراطية الداخلية، ما هي إلا “بروباكاندا” إسلاموية ظل مناضلو الحزب يروجونها في الأوساط الشعبية، مستغلين الاهتراء والخَوَر الذي تعرفه الساحة الحزبية المغربية، حتى بدأ “داء الحزبية” المقيت، المتمثل في الصراعات الداخلية، يَدِب في أوصاله ليحوله إلى مجرد صفر ضمن طابور الأصفار التي يضِج بها الوطن.. !.

لكن، مهما قال هؤلاء وأولئك، ومهما خلصت النيات، وصفت السرائر، والتزمنا الموضوعية إلى أقصاها؛ سيظل الحديث عن حزب سياسي في حجم حزب العدالة والتنمية الذي استطاع أن يكتسح الساحة الوطنية في أكثر من محطة انتخابية، محلية وتشريعية، ويواجه، وحيدا، حروبا استئصالية لا تمَلُّ ولا تكَلُّ، ويكسب ثقة الآلاف من المغاربة، في مختلف الربوع، ويحافظ على ريادته الانتخابية بعد خمس سنوات من التدبير العمومي الاستنزافي في سابقة عربية،… سيبقى الحديث التكهني عن هذا الحزب، بناء على سوابق حزبوية عرفت مسارات مماثلة، والخلوص إلى الجزم بوقوع سيناريو معين ومحدد لمصير الحزب (الانشقاق)، بمثابة القذف في العَمَى، والكذب على الأحياء.

فالذي لا يشك فيه اثنان، ولا يختلف حوله عاقلان، أن حزب العدالة والتنمية، على مستوى الشكل، هو حزب مغربي كسائر الأحزاب الوطنية. قَبِل الدخول إلى الحياة السياسية على قاعدة القانون التنظيمي للأحزاب المغربية، وتحت سقف شروط وأجندات مخزنية محددة المرامي والمرتكزات، ولم يصدر منه، أبدا وقط، أي تمرد ضد هذه الشروط والأجندات. لكن الذي يجهله الكثير، ويتجاهله البعض، هو أن هذا الحزب، على مستوى المضمون، هو حزب مختلف؛ مختلف إيديولوجيا.. مختلف تربويا.. مختلف على مستوى شروط التزكية للمناصب والمسؤوليات وطريقة تدبيرها، وعلى مستوى الترشح لهذه المسؤوليات.. مختلف على مستوى الالتزام الصارم بأبجديات الديمقراطية الداخلية. وهي أمور يندر وجودها في أغلب الأحزاب السياسية المغربية، حتى المسماة منها “الديمقراطية”، أو المتبجِّحة منها بالتقدمية.

فالديمقراطية التي حسمت في الجدال بين “الإخوان” حول الولاية الثالثة للأمين العام، لم تكن سوى آلية لتدبير تقني لمرحلة خلاف طارئة، ولم تكن أبدا أداة لمعالجة “الصراع” الدائر بين “الإخوان”. وهذه هي الوظيفة الصحيحة للديمقراطية. ومن اعتبرها فوق هذه الوظيفة التقنية الصرفة، وأعطاها وظيفة العلاج لإحَنِ الصراع بين مناضلي الحزب، واعتقد أن الصراع ينتهي مع نتائج الصندوق، فهو واهِمٌ !. والأحزاب التي تدبر صراعاتها الداخلية بديمقراطية الصندوق، وتعتمدها في فرض رؤى ومقترحات الأكثرية العددية على الأقلية العددية هي التي تعرف انشقاقات، وتُفرخ تيارات.

فالذين قارنوا بين 126 عدد المصوتين على رفض التمديد للسيد بنكيران، و101 المصوتين لصالح التمديد، وجزموا أن المؤتمر الوطني للحزب سيكون محطة لظهور انشقاقات داخل الحزب، وانفصام العرى بين “الحمائم” و”الصقور”، على غرار ما وقع للحزب العتيد الاتحاد الاشتراكي، بناء على قناعتهم بدور آلية الديمقراطية في معالجة الصراع؛ هؤلاء لا يعرفون شيئا عن الداخل الحزبي لحزب العدالة والتنمية، ولا يعرفون شيئا عن طبيعة التربية التي نشأ عليها مناضلوا الحزب، خصوصا مناضلي الصف الأول. لذلك لم أستغرب، شخصيا، من تصريحات مناضلين من الحزب يؤكدون فيها أن المؤتمرالوطني الثامن للحزب سيعرف مفاجآتٍ سارةً، ستُبهر الجميع.

فإقدام حزب العدالة والتنمية على التضحية بزعيم من طينة عبد الإله بنكيران، في عِزِّ عطائه السياسي، واندفاعه الإشعاعي، حينما قبِل (أقصد الحزب) أن يضع مصيرَه على طاولة التداول الديمقراطي، التزاما بالقوانين الداخلية للحزب، وانتصارا لمبادئه، ورسالة من الحزب إلى كل متهمي الإسلاميين بالمريدية والمشيخة وعبادة الزعيم، والتي تحولت، للأسف الشديد، إلى التيارات اليسارية؛ لأكبر دليل على أن هذا الحزب قادر أن يستمر، بنفس القوة والزخم، وقادر أن يحدث المفاجأة في مؤتمره المقبل، ويُكذب كل التكهنات التي تنتظر شتاته على مقصلة الصراع بين مؤيدي “الزعيم” وخصومه.

نعم، سيعرف المؤتمر الثامن للحزب، ولا شك، غليانا في النقاش غير مسبوق، وقد يعرف انسحابات من الغاضبين، خصوصا وأن هذا المؤتمر سيأتي أياما فقط بعد “انهزام” تيار بنكيران في معركة الديمقراطية الداخلية بالمجلس الوطني، وقبل أن تندمل جروح “الهزيمة الديمقراطية” !. كما أن قرار الأمانة العامة برفض طرح تعديلات النظام الأساسي على أنظار المؤتمر الوطني لا زالت تثير الكثير من النقاش الحاد بين “الإخوان”، وتنذر بنسف أشغال المؤتمر. ولكن، رغم كل هذا، فقد علمتنا تجارب سابقة أكثر صراعا، و تجاذبا، أن الحزب قادر على لملمة كل هذا المخاض، بما يمتلكه من عقلاء كبار من الحركة والحزب معا، يستمع لهم الجميع، وقادرون على ترطيب الخواطر، وإزالة الشجن، وإطفاء نار الغضب. ولن نستغرب أبدا إذا وجدنا السيد بنكيران نفسَه على قائمة هؤلاء العقلاء الذين سيسعَوْن إلى لَمْلَمة المواقف النِّشاز. بل نكاد نجزم أنه سيكون الأيقون الذي سيَقِي الحزب من مغبَّة الانشقاق، وذهاب الريح.

فهل سيُكذِّب مُؤتمرُو الحزب تكهنات الخصوم، ويجعلوا من محطة المؤتمر الوطني الثامن استثناء تاريخيا في مسار تاريخ الانشقاق والتفريخ الحزبي المغربي؟

هذا ما نرجوه لهذا الحزب الذي لازال يمثل البقية الباقية من المشهد الحزبي المغربي الضائع، ولا زال يُذكِّر المغاربة بشيء اسمه “السياسة”. وهو ذات ما كتبنا نرجوه لحزب الاتحاد الاشتراكي في أحد مقالاتنا لعام 2002 ، قبل أن ينفرط العقد به وبالرفاق إلى مُزَق وشتات (1).

أخيرا، نقول للإخوة بحزب العدالة والتنمية: “اِعلموا أن المتربصين بكم كُثُر، فلا تُشْمِتوا بكم الأعداء .. !!”.

دمتم على وطن.. !!

———

(1) خروج رفاق النقابي نوبير الأموي من الحزب وتأسيس حزب “المؤتمر الوطني الاتحادي”. ومغادرة محمد الساسي سفينة الحزب، بعد أن ضاق اليوسفي بانتقاداته وقال له قولته الشهيرة:”أرض الله واسعة”، ليؤسس “جمعية الوفاء للديمقراطية” التي اندمجت مع حزب “الاشتراكي الموحد” سنة 2002، وكذلك عبد الكريم بنعتيق، ومحمد بوزبع، وآخرون. عاد بعضهم، وأصر آخرون على “العقوق” !!.

2017-12-06 2017-12-06
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

chtouka