“تعليم أقل..تعلم أكثر”

بوسلهام عميمر

كان هذا الشعار الثاني الذي بفعله نالت سنغافورة المرتبة الأولى ﻣﻦ ﺑﻴﻦ 140 ﺩﻭﻟﺔ ﺷﻤﻠﻬا ﻣﺆﺷﺮ ﺟﻮﺩﺓ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﺍﻟﺼﺎﺩﺭ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻨﺘﺪﻯ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﻓﻲ ﺩﺍﻓﻮﺱ 2021، ﺭﻛﺰﺕ فيه ﻋﻠﻰ ﻃﺮﺍﺋﻖ ﺍﻟﺘﺪﺭﻳﺲ ﻭ التقليل ما أمكن من ﺣﺠﻢ ﺍﻟﻤﺤﺘﻮﻯ ﻹﻓﺴﺎﺡ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ أمام التفكير، بعد المبادرة الأولى التي كان شعارها “مدارس التفكير، تعلم الأمة” تم التركيز فيه على مبادئ أربعة أساسية وهي كالآتي، تحسين أجور المعلمين، وإعطاء مسؤولي المدارس مزيدا من الاستقلالية، وإلغاء التفتيش واستحداث التميز، ثم أخيرا تقسيم المدارس لمجموعات يشرف عليها موجهون من ذوي الاختصاص.
ﻳﺴﺘﻨﺪ هذا التقرير في ترتيبه للدول إلى ﻨﺤﻮ 12 ﻓﺌﺔ ﺃﺳﺎﺳﻴﺔ، ﺗﻀﻢ ﺍﻟﻤﺆﺳﺴﺎﺕ، ﻭ ﺍﻻﺑﺘﻜﺎﺭ،ﻭﺍﻟﺼﺤﺔ ﻭﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺍﻷﺳﺎﺳﻲ، ﻭﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﻲ ﻭﺍﻟﺘﺪﺭﻳﺐ، ﻭﻛﻔﺎﺀﺓ ﺃﺳﻮﺍﻕ ﺍﻟﺴﻠﻊ، ﻭﻛﻔﺎﺀﺓ ﺳﻮﻕ ﺍﻟﻌﻤﻞ، ﻭﺗﻄﻮﻳﺮ ﺳﻮﻕ ﺍﻟﻤﺎﻝ، ﻭ ﺍﻟﺠﺎﻫﺰﻳﺔ ﺍﻟﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺔ، وغيرها.
للأسف احتلت فيه الدول العربية مراتب متدنية، وست دول كشفت القائمة أنها خارج التصنيف بشكل كامل بما أنها لا تتوفر فيها أبسط معايير الجودة في التعليم.

باستثناء قطر احتلت المرتبة الرابعة عالميا و الأولى عربيا. احتل المغرب الرتبة101 ومصر الرتبة الأخيرة عربيا و139 عالميا.

ألا تدعونا هذه النتيجة المخجلة لأن نتساءل عن الأسباب وراء هذا التردي التعليمي، علما فالتعليم هو المؤشر الأساس عن تقدم الأمم أو تأخرها. سنغافورة عرفنا بعضا مما بوأها الرتبة الأولى، وقطر أين يكمن السر؟ إذا كان على البترول فهناك دول مثلها أو أكثر منها، فالتعليم في قطر يركز على تنمية المهارات وتطويرها في بناء الدولة وتقدمها. المعلم في قطر يتقاضى راتبا هو الأعلى عالميا. التعليم في قطر يواكب أفضل النظم التعليمية وأجودها يتيح للمواطنين تطوير قدراتهم العقلية. التعليم في قطر يشجع على التفكير النقدي والتحليل ويحفز المتعلمين على الإبداع والابتكار، مع التأكيد على الهوية واحترام قيم المجتمع وتراثه اللامادي. التعليم يخصونه بميزانيات ضخمة تؤهله لتحقيق أهدافه وغاياته ( 3.2 % ﻣﻦ ﻧﺎﺗﺠﻬﺎ ﺍﻟﻘﻮﻣﻲ ﻭﻧﺤﻮ %12 ﻣﻦ ﺇﻧﻔﺎﻗﻬﺎ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﻲ), ما الذي ينقصنا لنحسن من ترتيبنا العالمي؟ أعتقد أن مشكلتنا تكمن في الهوة بين واقع تعليمنا و المستوى النظري في الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والمخطط الاستعجالي والكتاب الأبيض وورقة الاختيارات، وأخيرا الرؤية الاستراتيجية 2015 – 2030 .
إنها غاية في الدقة. تصورات نظرية تشمل كل مفاصل العملية التعليمية التربوية، لكن ما هو نصيب كل هذا الركام النظري على المستوى الواقعي، ابتداء من المقررات إلى المخرجات مرورا بحال المؤسسات التعليمية وتكوينات الأساتذة والمختبرات والتجهيزات والملاعب وغيرها مما أصبح اليوم لا مناص من وجوده، مثل قاعات المعلوميات.

“تعليم أقل..تعلم أكثر” شعار رفعته سنغافورة فتبوأت به الرتبة الأولى عالميا. للأسف بقدر توجه الدول المتقدمة للاهتمام بالكيف بدل الكم، والتركيز على ما ينمي قدرات المتعلمين النقدية والتحليلية ومدهم بآليات التفكير وتمكينهم من كافة الكفايات النوعية تهيئهم لخوض غمار الحياة العملية والمعيشية بكل أريحية، لا نزال نحن نثقل كواهل المتعلمين بعشرات الساعات في الأسبوع (30 ساعة بالسلك الابتدائي)، و بمقررات يستحيل لا على النوابغ من المتعلمين الإلمام بها مجتمعة، و لا على الأستاذ أن يقدمها وفق المقاربة بالكفايات المنصوص عليها في الوثائق التربوية، والتي من أبجدياتها الأستاذ فقط منشط، مما يحطم أسطورة العلاقة العمودية بينه وبين متعلميه، إذ تصبح العلاقة أفقية يشتركان معا (أستاذ/متعلم) في بناء الدروس، مما يسهل عملية فهمها واستيعابها، من أبجدياتها أيضا الاشتغال على الوضعيات التعليمية لفهم ميكانزمات حلها ومن تم إكسابه مهارة حل ما يعترضه في حياته من مشاكل في إطار قياس الشاهد على الغائب مما يشتغل عليه في الفصول الدراسية. من أبجدياها أيضا بيداغوجيا الخطأ، فلم يعد الخطأ منقصة بقدر ما أصبح وسيلة تعليمية فعالة (الحقيقة العلمية خطأ تم تصحيحه) كما كان يقول غاستون باشلار، و بيداغوجيا المشروع، و بيداغوجيا التعاقد، و البيداغوجيا الفارقية، ضمانا لدمقرطة التعليم، فكل من يأتي إلى المدرسة مهما كان مستواه لا بد أن ينال نصيبه من التعليم.

بالرجوع إلى المستوى أولى إعدادي، فأنى لطفل صغير في السن أن يُوفَّق لاستيعاب عشرات الدروس في التاريخ ومثلها في الجغرافيا و في التربية على المواطنة وفي في اللغة العربية والرياضيات وعلوم الحياة والأرض والتربية الإسلامية وغيرها.
و يتساءلون لم تفشت ظاهرة الغش، حتى أضحت حقا مشروعا لمعظم التلاميذ، قد تسقط دونها الأرواح. هذا دون الحديث عن إشكالية تكوين الأساتذة ومدى مواكبتها لروح العصر، وفضاء اشتغالهم وكذا ظروف عملهم. علما ففنلندا التي احتلت المرتبة الثالثة عالميا تخلت عن المناهج التعليمية، وعوضتها بتطبيق نظام المواضيع المتكاملة. فالدراسة تتمحور حول موضوعات يتم تفكيكها إلى وحدات أصغر، يدرس من خلالها المتعلم كل العلوم المتعلقة بها.


آخر المستجدات
تعليقات

التعليقات مغلقة.