اَلبِّيجِّيدِّي وَ الْأَحْرَارُ وَ .. صِرَاعُ الْقِمَّةِ !

• صالح أيت خزانة

على مشارف الاستحقاقات التشريعية المقبلة، لازال النقاش المعتمل في الأوساط السياسية والحزبية والشعبية حول من سيفوز بهذا الاستحقاق، أو بالأحرى من سيتصدر المشهد السياسي، ومن ثم يقود التجربة المقبلة لخمس سنوات قابلة؛ عبارة عن تكهنات وكلام مقاهٍ ليس غير. فأغلب المؤشرات، المنظورة منها على الأقل، تفيد أن هذا الاستحقاق التشريعي سيعرف نقاشا مستمرا، ومتواصلا، قد يمتد إلى عشية الإعلان عن النتائج النهائية دون أن يحسم شعبيا(شعب مواقع التواصل الاجتماعي)، ولا حتى نخبويا(المجتمع السياسي) في الفائز المحتمل. والسبب في هذا، يعود بالدرجة الأولى، إلى ما بدأ يَعِنُّ في الأفق من بوادر صراع خفي ، لكنه قوي وشرس، بين أحد أهم الأحزاب السياسية المرشحة للفوز بهذه الولاية الحكومية. ونقصد حزبي الأحرار والعدالة والتنمية اللذين بدآ في عمليات إحماء مكثفة لخوض موقعة 8 شتنبر.
فالأول، حزب الأحرار، قد بدأ منذ فترة، ليست بالقصيرة، حملته التعبوية في صفوف كوادره ومناضليه، وهيئاته الموازية، عبر لقاءات من تأطير أمينه العام وثلة من كفاءاته العلمية والاقتصادية، شملت تقديم تصور الحزب الاقتصادي والاجتماعي الذي سيؤطر البرنامج الانتخابي، وسيمثل عهدته الشرفية مع الشعب المغربي إذا وقع وتزعم الحكومة المقبلة.
والثاني، حزب العدالة والتنمية الحاكم لولايتين متتاليتين، والذي اختار، أو اختير له، أن يدخل غمار الممارسة الحُكمية بعد ربيع شعبي ديمقراطي انتهى بمبادرة ملكية متقدمة تمثلت في وضع دستور متقدم وغير مسبوق لقي استحسانا داخليا وخارجيا غير مسبوق. وكان من ثماره هدنة تُوِّجت بانتخابات نزيهة وشفافة مكنت “الفصيل الإسلامي”، الممثل في حزب العدالة والتنمية، لأول مرة في تاريخ المغرب الحديث، من قيادة تجربة حكومية في ظرفية صعبة، بصلاحيات كبيرة واستثنائية، استطاع، مع حلفائه في الحكومة، أن يخرج بالبلد من عنق الزجاجة، وبأقل الخسائر، السياسية منها على الأقل، ليستمر لولاية ثانية، بعد مخاض كاد يفقده الولاية الثانية، وإن كان قد أفقده أيقونه الشرس، السيد عبد الإله بنكيران، الذي كان يستجيب لتعاليم المؤسسات المانحة (البنك العالمي وصندوق النقد الدولي)، في أكثر من محطة، أكثر مما كان يستجيب لانتظارات الشعب المغربي الذي علق عليه، وعلى حزبه “الإسلامي” الكثير، قبل أن يخيب الظن، مع توالي النكسات الشعبية، وتعثر المسار الإصلاحي، وازدياد معاناة الشعب مع السياسات، والقرارات اللاشعبية التي ما انفكت تصادق عليها هذه الحكومة، وقبلها الحكومة السابقة، تحت القيادة الفعلية، والمسؤولية الثابتة لحزب العدالة والتنمية. حتى أضحى هذا الحزب نذير شؤم لدى المغاربة، بعد أن نجح خصومه الطبيعيون، كما الجذريون، في توريطه في أكثر من ملف، وتحميله مسؤولية أكثر من قرار لاشعبي (التقاعد، التعاقد، المقاصة، تحرير أسعار النفط، قانون الكيف، الزيادات المتواصلة في الأسعار مع تجميد الزيادة في الأجور،…). رغم أن غالبية هؤلاء الخصوم من حلفائه داخل الجسم الحكومي. وهم، بالمناسبة، من خرج اليوم، على مرمى حجر من الانتخابات التشريعية، يتبرؤون من تدبير الحكومة، و التي لم تكن سوى حكومتهم التي تربعوا على كراسيها لولاية كاملة، ومنهم من شارك “الحزب الإسلامي” الولايتين معا، وتحمل فيهما مسؤوليات، وصادق في مجالسها على قرارات من إياها. واليوم خرج ليتبرأ من هذه المسؤولية في استغفال سمج، واستحمار مفضوح للشعب المغربي.
فلا العدالة والتنمية، ولا الأحرار، المرشحيْن، أكثر من سواهما، للظفر بالاستحقاقات المقبلة، في منأى عن المسؤولية الأخلاقية، على الأقل، فيما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالبلاد. فالمسؤولية الأخلاقية تقتضي من كليهما، كما من بقية الأحزاب المشاركة في التحالف الحكومي، تقديم الحساب أمام الشعب المغربي؛ كلا من موقعه الحكومي، قبل تقديم برامج/برنامج الحملة الانتخابية المقبلة. فهذه هي أول خطوة ينتظرها الشعب المغربي، وينتظرها عموم الناخبات والناخبين.
فالشعب المغربي، الذي سئم الوعود وإخلافها، ليس في حاجة إلى الشهود، من جديد، على عمليات هروب إلى الأمام، وتقديم الوجوه القديمة بالوعود الجديدة. إنه، بالمختصر المفيد، يريد اعترافا بالمسؤولية، وتصريفا حقيقيا وفعليا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، قبل أي شيء آخر.
لكنه ، رغم ذلك، يعي جيدا ألا مفر له من حكومة يقتعد فيها أحد الحزبين رأسها (هذا بطبيعة الحال إن لم يحقق الاستقلال أو البام المفاجأة، ويقلبا الطاولة على السيناريو إياه). كما أنه على أتم الوعي أن الكتلة الناخبة لكلا الحزبين في غنى عن أصوات ناخبة، قد تكون ناقمة، من خارجهما. وأن كل ما يروج في الفضاء الأزرق وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي، من تدوينات ناقمة على تدبير هذا الحزب أو ذاك، لا أثر كبير لها على التوجه العام الذي سيحكم الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. فاغلب المغردين، من إياهم، غير مسجلين باللوائح الانتخابية، وأغلبهم لا يصوتون حتى، وأغلبهم لا تأثير لهم إلا في حدود الصالونات النخبوية التي يتفاعلون داخل جدرانها.
فالعدالة والتنمية تمتلك قاعدة ناخبة عريضة، من المنتمين والمتعاطفين، تلازمها في السراء والضراء، وفي المنشط والمكره، وفي السر والعلن، وستمنحها أصواتها بدون تردد، ولن يؤثر فيها قيل و لا قال. وهذه إحدى المطمئنات التي دفعت بقياديين في الحزب إلى تقديم تصريحات تؤكد قدرة الحزب على تصدر المشهد السياسي من جديد، بل قيادة الحكومة لولاية ثالثة بدون منازع .
والأحرار، على ذات المهيع، مطمئن للعمل الجبار الذي يضطلع به منذ مدة، في التعريف ببرنامجه الانتخابي، الاقتصادي والاجتماعي، والذي حاول من خلاله، ملامسة أهم الانتظارات الشعبية، وتقديم الحلول الممكنة لها ضمن برنامج دقيق(رقمي) وكبير، وواعد، جعله محطَّ إقبال كبير من أعوان، ونخب، وسياسيين رحل غاضبين (أغلبهم من البيجيدي والبام)، ورجال أعمال، وشباب،…
فكلا الحزبان مقتنعان بأنهما الأحق بالفوز، والأحق بحكم المغاربة، خلال الفترة المقبلة. ولكن، في نفس الوقت، كلاهما يعلمان أن تصدر الانتخابات لن يكون نهاية المطاف. لأن المعركة الحقيقية لن تكون مع صناديق الاقتراع، ولكنها ستكون مع تشكيل الحكومة، وما يتطلبه ذلك من إقناع الفرقاء السياسيين بالتحالف لتشكيل هذه الحكومة. وما يصاحب ذلك من تنازلات، وإرضاءات، وبلوكاجات، … وللعدالة والتنمية سابقة مريرة في ذلك قد لا ترغب في تكرارها. ولعل العمليات الاستباقية التي يقوم بها الحزبان للبحث عن تحالفات مع أحزاب أخرى لتقوية جناحهما لما بعد الاستحقاقات الانتحابية (المصباح / الجرار، الحمامة /الميزان،…)، أكبر دليل على هذا التخوف من المآل المبهم الذي قد ينضح عنه المشهد السياسي ما بعد هذه الاستحقاقات، خصوصا وأن خسارة العدالة والتنمية لهذا الرهان قد يعيدها إلى الواجهة من جديد بعد أن كاد الحكم يستنزف كل زخمها الشعبي. وهو ما لا يرغب فيه خصومها !.
دون ان ننسى أن اعتماد القاسم الانتخابي الجديد سينضاف إلى معاناة الحزبين المرشحين للفوز،على الأقل، مع ما سيفرزه هذا القاسم من بلقنة للمشهد الحزبي داخل القبة التشريعية(*). مما قد يعقد مفاوضات الإقناع، والإرضاء، و يحول الحزب الحاكم إلى رقم يتيم في الجسم الحكومي بصفر وزارات استراتيجية.
فهل سنرى ، مجددا، الحزبين معا في حكومة مقبلة يقودها أحدهما؟. أم سيفي البيجيدي بوعده فيلتحق بالمعارضة في حال فشله في تصدر النتائج وتحمل المسؤولية لولاية ثالثة؟.
وماذا لو تحقق السيناريو المستبعد، ونجح الاستقلال أو البام في تصدر المشهد السياسي؟.
ثم هل من أفق موضوعي واستراتيجي لتحالف محتمل بين العدوين اللدودين؛ البام والبيجيدي؟
أسئلة وسيناريوهات ستبقى، كما أشرنا آنفا، عبارة عن تكهنات لن تحسم إلا بصناديق الاقتراع، ثم بمفاوضات ما بعد موقعة 8 شتنبر 2021..
دمتم على وطن.. !!

—————
(*) راجع مقالنا المنشور بهذا الموقع: “اَلْبِّيجِّيدِّي” أَمَامَ الاِخْتِبَارِ الصَّعْبِ!.


آخر المستجدات
تعليقات

التعليقات مغلقة.