الرقية والتحصين لإبطال أثر السحر والشعوذة

إلياس بنعلي

السحر هو الخداع والتمويه، وصرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، وعرفه الموفَّق: “عبارة عن عزائم ورُقى وعُقدٌ، يؤثر في القلوب والأبدان فيُمرض ويقتل ويُفرِّق بين المرء وزوجه” (“الكافي”: 4-164).

قال عنه ابن القيم: “هو مركب من تأثيرات الأرواح الخبيثة وانفعال القوى الطبيعية عنها، فالسحر هو اتفاق بين ساحر وشيطان على أن يقوم الساحر بفعل بعض المحرمات أو الشركيات في مقابل مساعدة الشيطان له وطاعته فيما يَطلبُ منه”. (زاد المعاد)

فالسحر هو اتفاق بين ساحر وشيطان على فعل المحرمات مقابل مساعدة الشيطان له، قال الله تعالى عز وجل: {وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}. (سورة البقرة، الآية: 102)، فتَعَلُّم السحر يكون عن طريق الشياطين، قال الله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}، (سورة البقرة، الآية: 208).

والسَّحَرَة يسعون في الأرض فساداً، وفسادهم من أعظم الفساد، ويجب على الدولة محاربتهم ليسلم الناس من شرهم، وليرتدع الناس عن تعاطي السحر.

ويعتبر السحر كفرا لأنه لا يتأتى إلا عن طريق الشياطين، فالسحر لا يأتي إلا بالضرر ثم بالفقر ثم بلعنة الله في آخر حياة الساحر، يقول الله تعالى :{إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَٰحِرٍۢ ۖ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ}، (سورة طه، الآية: 69)، يقول الطنطاوي: “ثم بين سبحانه لونا من السحر البغيض الذي استعمله أولئك السحرة في الأذى فقال تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} أي فيتعلم بعض الناس من الملكين ما يحصل به الفراق بين المرء وزوجه” …”وخصص سبحانه هذا اللون من السحر بالنص عليه للتنبيه على شدة فساده، وعلى شناعة ذنب من يقوم به، لأنه تسبب عنه التفريق بين الزوجين الذين جمعت بينهما أواصر المودة والرحمة.” (تفسير الطنطاوي).

قال ابن تيمية: “إذا تقرب صاحب العزائم وكتب الروحانيات السحرية وأمثال ذلك إلى الشياطين بما يحبون من الكفر والشرك، صار ذلك كالرشوة لهم، فيقضون بعض أغراضه، كمن يعطي غيره مالاً ليقتل له من يريد قتله… ولهذا كثير من هذه الأمور يكتبون فيها كلام الله بالنجاسة، وقد يقلبون حروف كلام الله عز وجل، إما حروف الفاتحة، وإما حروف قل هو الله أحد وإما غيرهما.. فإذا قالوا أو كتبوا ما ترضاه الشياطين، أعانتهم على بعض أغراضهم…” (مجموع الفتاوى: 19/34، 35).

يتعذب كثير من الناس بالسحر، ويعيشون في جحيم لا يطاق، فهل لهذا المرض النفسي الذي لا يرى بالعين المجردة دواء؟

لكل داء دواء فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أنزل الله من داءٍ إلا أنزل له شفاء”. (رواه البخاري: 5678).

زعن أسامة بن شريك قال: شَهدتُ الأعرابَ يسألونَ النبي ﷺ فقالوا يا رسولَ اللَّهِ هل علينا جناحٌ أن لا نتداوى قالَ: “تداوَوا عبادَ اللَّهِ فإنَّ اللَّهَ سبحانَهُ لم يضع داءً إلَّا وضعَ معَهُ شفاءً إلَّا الْهرمَ”، قالوا يا رسولَ اللَّهِ ما خيرُ ما أعطِيَ العبدُ قالَ: “خُلُقٌ حسنٌ”. (ابن ماجه: 2789، صححه الألباني).

وعن أم سَلمَة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سَفْعة، فقال: “استرقوا لها، فإن بها النظرة”، (متفق عليه).

وعن أنس رضي الله عنّه أنّه قال لثابت: “‏ألا أرقيك برقية رسول الله ﷺ؟‏ قال‏:‏ بلى، قال‏:‏ اللّهم ربّ النّاس، مذهب البأس، اشف أنت الشّافي، لا شافي إلا أنت، شفاءً لا يغادر سقماً”، ‏(رواه البخاري‏).

روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد أشتكيتَ؟ فقال: نعم. فقال جبريل: “باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفسٍ أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك”. (صحيح مسلم: 2186)

قال الإمام النووي: “الرُّقى بآيات القرآن وبالأذكار المعروفة لا نهي فيه، بل هو سنة وقد نقلوا الإجماع على جواز الرقى بالآيات وأذكار الله تعالى”. (صحيح مسلم بشرح النووي: 13،14،15/341).

قال الشوكاني: “جواز الرقية بكتاب الله تعالى ويلتحق به ما كان بالذكر والدعاء المأثور، وكذا غير المأثور مما لا يخالف ما في المأثور”. (نيل الأوطار: 3/291)

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي البَارِحَةَ، قَالَ: “أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ” (رواه مسلم).

وقال ابن القيم: ‏”لو أحسن العبد التداويَ بالفاتحة لرأى لها تأثيرًا عجيباً في الشفاء”. (الداء والدواء).

فالحسد والعين حق ثبت وقوعه في القرآن الكريم والسنة النبوية، قال الله تعالى عز وجل:{وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ}. (سورة القلم، الآية: 51)، وذكر القرطبي أن قوما من قريش أرادوا أن يصيبوا رسول الله ﷺ بالعين، فقال في تفسير الآية: “أرادوا أن يصيبوه بالعين، فنظر إليه قوم من قريش وقالوا: ما رأينا مثله، ولا مثل حُجَجِه.”
ويضيف القرطبي في تفسير الآية: “قلت: أقوال المفسرين واللغويين تدل على ما ذكرنا، وأن مرادهم بالنظر إليه قتْلُه، ولا يمنع كراهة الشيء من أن يصاب بالعين عداوة حتى يهلك… وأن المعنى الجامع: يصيبونك بالعين، والله أعلم”. (تفسير القرطبي ج4 ص372).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: “الْعَيْنُ حَقٌّ”. (رواه البخاري: 5048، ومسلم: 2187).

وقال الحسن البصري:‏ “دواءُ إصابةِ العينِ أن يقرأ الآية، يعني: قوله: {وإِنْ يَكَادُ الذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهمْ لمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُون إِنَّهُ لمجْنُونٌ. ومَا هو إِلا ذِكْرٌ لِلعَالَمِين}”. (الآداب لابن مفلح: 188/3).

قال رسول الله ﷺ: “إذا رأى أحدُكم ما يُعجبُهُ في نَفسِهِ ، أو مالِهِ فليبرِّكْ علَيهِ فإنَّ العَينَ حقٌّ” (أخرجه ابن السني في “عمل اليوم والليلة”: 205، وصححه الألباني).

وعن أبي عبد الله عثمان بن أبي العاص رضي الله عنّه أنّه شكى إلى رسول الله ﷺ وجعاً يجده في جسده، فقال رسول الله ﷺ: “ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل‏: بسم الله -ثلاثاً- وقل سبع مرات‏ أعوذ بعزّة الله وقدرته من شرّ ما أجد وأحاذر”، (رواه مسلم).

قال ابن حجر في الفتح: “أَنَّ الْعَيْن تَكُون مَعَ الْإِعْجَاب وَلَوْ بِغَيْرِ حَسَد، وَلَوْ مِنْ الرَّجُل الْمُحِبّ، وَمِنْ الرَّجُل الصَّالِح، وَأَنَّ الَّذِي يُعْجِبهُ الشَّيْء يَنْبَغِي أَنْ يُبَادِر إِلَى الدُّعَاء لِلَّذِي يُعْجِبهُ بِالْبَرَكَةِ، وَيَكُون ذَلِكَ رُقْيَة مِنْهُ. (فتح الباري: 10/205).

مهما كان نوع السحر وقوة تأثيره فإن الله تعالى أعلا وأجل، ومن أسمائه الحسنى الشافي، يقول الله تعالى عز وجل على لسان سيدنا إبراهيم: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}، (سورة الشعراء، الآية: 80).

وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ دخلَ عليها وامرأةٌ تعالجُها أو تَرقيها، فقالَ ﷺ: “عالجيها بِكِتابِ اللَّهِ”، (رواه ابن حبان: 13/464، صححه الألباني)، بالقرآن الكريم يمكن القضاء على جميع أنواع السحر بإذن الله، وإبطال مفعولها، مصداقا قول الله تعالى عز وجل.. {مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ} (سورة يونس، الآية: 81)، وقال الله تعالى جل جلاله: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} (سورة الإسراء، الآية: 82)، ومن رعته عين الله لن تضره أعين الخلق، يقول الله تعالى: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، (سورة الطور، الآية: 48)، قال الإمام الطنطاوي في تفسير الآية، أي : “فإنك بمرأى منا وتحت رعايتنا وحمايتنا وحفظنا” (تفسير الطنطاوي)، وقال الإمام القرطبي في تفسير الآية: “نراك ونحفظك ونحوطك ونحرسك ونرعاك”.

كلام الله نور وشفاء وهدى، وكلام الله وقاية من السحر والجن والمس والعين، ويزيل كل التأثيرات النارية الشيطانية من حزن وكآبة وخوف وضغط وهم وقلق أوصداع..، وغيرها من الشحنات والطاقات والتأثيرات السلبية، ويحل محله النور والرحمة والهداية والبركة والتيسير، لأن القرآن الكريم يعيد الإنسان إلى الأصل، والأصل هو الفرح وليس الحزن، {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (سورة آل عمران، الآية: 139)، والأصل في الحياة هو اليُسر {يُرِيد اللَّه بِكُمْ الْيُسْر وَلَا يُرِيد بِكُمْ الْعُسْر} (سورة البقرة: الآية 185)، حتى الجبال تتأثر بالقرآن الكريم، {لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍۢ لَّرَأَيْتَهُۥ خَٰشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّه}، (سورة الحشر)، ونار المس والعين والجن لا يطفؤها إلا كلام الله عز وجل، ولا يحل عقد السحرة إلا كلام الله، قال تعالى: {وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} (سورة الفلق، الآية: 4).

قال الله تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء} (سورة فُصِّلت، الآية: 44) ، “…لفظ {شفاء} عام يتناول شفاء الأمراض القلبية والعقلية، كما يتناول الأمراض الجسدية والعوارض المادية الحسية، والأصل بقاء العام على عمومه وعدم تخصيصه إلا بمخصص، هنا ـ على ما قرره العلماء، قال الألوسي: استدل العلماء بالآية على أن القرآن يشفي من الأمراض البدنية كما يشفي من الأمراض القلبية. (روح المعاني: الألوسي 11/ 139)”. (العلاج بالقُرآن، د. عبد الحق حميش أستاذ بكلية الشريعة بالشارقةـالإمارات).

والوقاية خير من العلاج، وللحماية من السحر يلزم الحرص على الأخذ بالأسباب من الحفاظ على الوضوء والطهارة وأذكار الصباح والمساء والمعوذتين والفاتحة وآية الكرسي، ودعاء الدخول إلى دورة المياه، والبسملة عند صب الماء الساخن في مجاري المياه، فقد ذكر ابن تيمية أن من أسباب صرع الجن للإنس إذا: “صَبَّ عَلَيْهِمْ مَاءً حَارًّا” (مجموع الفتاوى: 13/82).

والعلاج يختلف حسب نوع السحر ومدته قديم أم حديث وعدد المصابين من الأسرة، فالسحر كالطب يستعمل بالتجارب، والطب أكثره بالتجارب.

وقبل اللجوء إلى علاج السحر أو العين أو المس بالرقية الشرعية، لابد من التأكد من الخُلُوِّ من الأمراض العضوية بعد القيام بالتحاليل المخبرية اللازمة، واستشارة الأطباء والأخصائيين، أما الرقية الشرعية فهي جائزة بتوفر شروطها، كالطهارة ومصاحبة المحرم للنساء، وعدم استعمال العنف أوالضرب في التداوي، وتوخي الحذر من المشعوذين والدجالين والكهنة والعرافين أو الذين يلتجؤون إلى الشرك والصيغ المجهولة وغير المفهومة أو الطلاسم والرموز والجداول وأسماء الجن والشياطين والكتابة بالنجاسة والقاذورات، أو من يطلب معرفة اسم الأم أو تاريخ الميلاد أو شيئا مما يتصل بالمصاب كشَعره أو ظفره ونحو ذلك من الملابس أو الأغراض والصور والمسامير أو العقد بالخيط والحبل، أو الاستعانة بعظام الحيوانات وجلودها أو طلب الذبائح أو الاستعانة بالنجوم والكواكب، أو من يتاجر في مآسي الناس بالمكر والخداع والاحتيال، فقد جاء في الحديث: “من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما” (رواه مسلم).

الرقية: هي العوذة، والوقاية، وشرعا: هي اللجوء إلى الله تعالى بقلب صادق مُوقنٍ بأنّ الشفاء بيده سبحانه وتعالى عز وجل لطلب الشفاء ودفع الضر بقراءة القرآن الكريم وما صح من السُّنة النبوية من الأدعية والأذكار، والاستعاذة بالله من الشيطان وأعوانه وأتباعه من كل ضرر أو آفة، أو أي شيء يؤذي الإنسان، هي حصنٌ للمسلم ووقاية وحماية من أذى السحر والعين والمرض، وجَميع ما قد يُلحق الأذى، ويُقصد بالاستعاذة اللجوء إلى الله من كيد الشيطان، قال الله تعالى: {وَإِمّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطانِ نَزغٌ فَاستَعِذ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَميعٌ عَليمٌ} (سورة فُصِّلت، الآية: 36)، والأخذ بالأسباب، قال رسول الله ﷺ: “احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن”. (رواه مسلم: 2664).

جاء في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد: وروى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ليث بن أبي سليم قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله، تقرأ في إناء فيه ماء، ثم يصب على رأس المسحور: الآية التي في سورة يونس {فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}.
وقوله: {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ… بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (سورة لأعراف، الآيات: 118-121).
وقوله: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحر حَيْثُ أَتَىٰ} (سورة طه، الآية: 69).

قال ابن القيم: “الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر، فإن للسحر تأثيرا في الطبيعة، وهيجان أخلاطها، وتشويش مزاجها فإذا ظهر أثره في عضو وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو نفع جدا”. (الطب النبوي)

وأضاف: “تشتمل الفاتحة على الشفائين: شفاء القلوب وشفاء الأبدان، وقال : وقد جربت أنا من ذلك في نفسي وفي غيري أمورا عجيبة، ولا سيما مدة المقام بمكة، فإنه كان يعرض لي آلام مزعجة بحيث تكاد تقطع الحركة مني وذلك في أثناء الطواف وغيره فأبادر إلى قراءة الفاتحة وأمسح بها على محل الألم فكأنه حصاة تسقط، جربت ذلك مراراً عديدة، وكنت آخذ قدحاً من ماء زمزم فأقرأ عليه الفاتحة مراراً فأشربه فأجد به من النفع والقوة ما لم أعهد مثله في الدواء”. (مدارج السالكين 58/1).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول: “إن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لآمة” (أخرجه البخاري).

قال بن حجر في الفتح: “قال القرطبي: الرقى ثلاثة أقسام :
– ما كان يرقى به في الجاهلية وما لا يعقل معناه فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو يؤدي إلى شرك.
– ما كان بكلام الله أو أسمائه أو المأثور عن النبي ﷺ فهو مستحب وجائز.
– ما كان بأسماء غير الله من ملك أو صالح أو معظم، فتركه أولى”. (فتح الباري: 1/196).

قال الذهبي : [قال الخطابي: وأما إذا كانت الرقية بالقرآن أو بأسماء الله تعالى فهي مباحة أن النبي ﷺ كان يرقي الحسن والحسين رضي الله عنهما فيقول: ” أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة” (أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء1: 3371)]، (كتاب الكبائر، ص: 17).

قال ابن القيم: “ونفس الراقي تفعل في نفس المرقي فيقع بين نفسيهما فعل وانفعال، كما يقع بين الداء والدواء، فتقوى نفس المرقى وقوته بالرقية على ذلك الداء فيدفعه بإذن الله. ومدار تأثير الأدوية والأدواء على الفعل والانفعال، وهو كما يقع بين الداء والدواء الطبيعيين، يقع بين الداء والدواء الروحانيين”. (زاد المعاد: 178/4، الطب النبوي، ص: 139).

أوراق السِّدْر علاج للسحر:

ذُكر السدر في أكثر من موضع بالقرأن والسنة الصحيحة
وإن كان ذكرهما لم يكن متعلق بوصفة علاجية من رسول الله ﷺ إلا أن رفعة مواضع ذكر السدر في القرآن بجنة المأوى وسدرة المنتهي ومايغشاها من الملإئكة المقربين والملائكة بالطبع تهرب وتفزع منها الشياطين.

وكذلك وصفة تغسيل الميت بماء وسدر من رسول الله ﷺ، فقد قال رسول الله ﷺ عند غسل ابنتَه زَيْنبَ رَضيَ اللهُ عنها عند وفاتها: “اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِن ذلكَ، بمَاءٍ وسِدْرٍ..” (البخاري: 1254)، وكما أخبرتنا السنة النبوية الصحيحة من مقابلة الميت للملائكة وسؤالهم له، كل ذلك أسهم باستنباط قوي في إثبات فوائد السدر في طرد الشياطين من المسحور والممسوس والمعيون، وهذا ماحدث بالتجارب.

استعمال ورق السدر مع الرقية:

قال الحافظ الذهبي: “الِاغْتِسَال بالسدر ينقي الرأس أكثر من غيره ويذهب الحرارة وقد ذكره رسول الله ﷺ في غسل الميت، وذكره الله تعالى”، (الطب النبوى للذهبي، ص: 129).

قال الحافظ بن حجر في الفتح: “وذكر ابن بطال أن في كتب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر، فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ آية الكرسي والقواقل-السور التي تبدأ بِقُلْ وهي: “سورة الجن، الكافرون، الإخلاص، الفلق، والناس”-، ثم يحسو منه ثلاث حسيات، ثم يغتسل به، فإنه يذهب عنه كل ما به، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله”، (فتح الباري: 10/233، ونقله الإمام القرطبي في تفسيره، وابن كثير في تفسيره: 372/1).

السدر علاج للرجل المحبوس عن جماع زوجته:

ذكر بن باز أن: “علاج السحر بعد وقوعه وهو علاج نافع للرجل إذا حبس عن جماع أهله أن يأخذ سبع ورقات من السدر الأخضر فيدقها بحجر أو نحوه ويجعلها في إناء ويصب عليه من الماء ما يكفيه للغسل ويقرأ فيها آية الكرسي و{قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}.
وآيات السحر في سورة الأعراف وهي قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ. فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ}، (الآيات: 117، 119).
والآيات في سورة يونس وهي قوله سبحانه: {وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِى بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}، (الآيات: 79، 82).
والآيات في سورة “طه”: {قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأعْلَى*وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى}، (الآيات: 65، 69)
وبعد قراءة ما ذكر في الماء يشرب منه ثلاث مرات ويغتسل بالباقي وبذلك يزول الداء إن شاء الله وإن دعت الحاجة لاستعماله مرتين أو أكثر فلا بأس حتى يزول الداء”. (فتاوى بن باز: 3/ 279-280) .

وقد أجاز الإمام النووي في “شرح مسلم” والإمام السيوطي في “الديباج” والإمام الشوكاني في “الأوطار” التبرك بماء المطر، فعن أنس بن مالك قال: “أَصَابَنَا وَنَحْنُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ مَطَرٌ، قالَ: فَحَسَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ ثَوْبَهُ، حتَّى أَصَابَهُ مِنَ المَطَرِ، فَقُلْنَا: يا رَسولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هذا؟ قالَ ﷺ: “لأنَّهُ حَديثُ عَهْدٍ برَبِّهِ تَعَالَى” (رواه مسلم)، قال الإمام النووي في شرح الحديث: معنى “حسر” كشف أي كشف بعض بدنه، ومعنى “حديث عهد بربه” أي بتكوين ربه إياه، معناه أن المطر رحمة، وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها فيتبرك بها، واستدلوا بهذا) ا.هـ.

التداوي بالصدقة:

ودفع العين والحسد يكون أيضا بالصدقة فقد قال ابن القيم: “للصدقة والإحسان تأثير عجيب في دفع البلاء ودفع العين وشر الحاسد، ولو لم يكن في هذا إلا تجارب الأمم قديماً وحديثاً لكفى به، فما يكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملاً فيه باللطف والمعونة والتأييد، وكانت له فيه العاقبة الحميدة فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه وصدقته، عليه من الله جنة واقية وحصن حصين”. (بدائع الفوائد).

“وليس معنى هذا ولازمه ترك التداوي والاستشفاء بالأدوية الطبيعية المادية، والاكتفاء بقراءة آيات من القرآن الكريم فليس ذلك من الرشد في الدين، ولا من الفقه لسنن الله تعالى الكونية. ولكن الشأن هو الجمع بين هذا وذاك، والانتفاع بالأمرين، والجمع بين بذل الأسباب الحسية والمادية، مع الاعتماد على ما جاء به التوجيه الشرعي، وتعلق القلب بالله تعالى وحده، فهو النافع وهو رب الأسباب تبارك وتعالى.” (العلاج بالقُرآن: “حقيقته، أهميَّته، حُكمه، وضوابطه” ص16، أستاذ بكلية الشريعة والدِّراسات الإسلاميَّة ـ جامعة الشارقة ـ الإمارات، د. عبد الحق حميش).

“لقد كانت نتائج الأبحاث التي أجريت على مجموعة من المتطوعين في الولايات المتحدة عند استماعهم إلى القرآن الكريم مبهرة، فقد تم تسجيل أثر مهدئ لتلاوة القرآن على نسبة 97% من مجموع الحالات، ورغم وجود نسبة كبيرة من المتطوعين لا يعرفون اللغة العربية؛ إلا أنه تم رصد تغيرات فسيولوجية لا إرادية عديدة حدثت في الأجهزة العصبية لهؤلاء المتطوعين، مما أدى إلى تخفيف درجة التوتر لديهم بشكل ملحوظ.

ليس هذا فقط، فلقد تمت تجربة دقيقة بعمل رسم تخطيطي للدماغ أثناء الاستماع إلى القرآن الكريم، فوجد أنه مع الاستماع إلى كتاب الله تنتقل الموجات الدماغية من النسق السريع الخاص باليقظة (13 ـ 12) موجة /ثانية إلى النسق البطيء (8 ـ 18 ) موجة /ثانية وهي حالة الهدوء العميق داخل النفس، وأيضا شعر غير المتحدثين بالعربية بالطمأنينة والراحة والسكينة أثناء الاستماع لآيات كتاب الله، رغم عدم فهمهم لمعانية!! وهذا من أسرار القرآن العظيم.

وإذا تساءلنا كيف يكون القرآن شفاءاً للبدن؟ فإنه من المعلوم طبيا بصورة قاطعة أن التوتر والقلق يؤدي إلى نقص في مناعة الجسم ضد كل الأمراض، وأنه كلما كانت الحالة النفسية والعصبية للإنسان غير مستقرة كلما كانت فرص تعرضه لهجمات الأمراض أكثر، وهكذا تتضح لنا الحقيقة جلية، فالقرآن شفاء بدني كما أنه شفاء روحي ونفسي، لأنه يعمل على إعادة توازن الجهاز النفسي والعصبي للمؤمن باستمرار قراءته والاستماع إليه وتدبر معانية، وبالتالي يزيد من مناعة جسمه ويؤمن دفاعاته الداخلية، فيصبح في أمان مستمر من اختراقات المرض له بإذن الله، ويقاوم بتلك القوى النورانية المتدفقة الميكروبات والجراثيم التى تهاجم في كل لحظة جسمه بضرواة في موجات متتالية رغبة في إسقاطه في براثن المرض.” (نفس المصدر، ص65).

يقول بنسالم باهشام عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: “السعيد من حصن يومه من شياطين الإنس والجن بتلاوة السور والآيات الفاضلة.
خص النبي ﷺ في أحاديث عديدة، سورا وآيات بالثواب الجزيل والفضل العظيم لمن قرأها أو سمعها كل يوم، لما فيها من التحصين والحفظ والنجاة من الأذى، وتفريج الكربات وتحصيل السكينة والطمأنينة.
لذلك ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يحرص على تلاوة هذه الآيات والسور الفاضلة، ويتخذها وردا يوميا، فإن أمكن له قراءتها صباحا أو مساء كان خيرا له، وإلا فليتخذ لها من الأوقات أقربها إلى رغبته وفراغه.
ومما ينبغي التنبيه عليه، أنه ليس في تخصيص هذه الآيات والسور بالفضل غُنية عما جاء في القرآن الكريم، بل الواجب على كل مسلم ومسلمة أن يُمتّن الصلة بكتاب الله تعالى، تلاوة وحفظا وتدبرا وإنصاتا وعملا، فالقرآن كله نور وهداية وموعظة ورحمة وشفاء، وهو كلام رب العالمين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
لذلك يأتي هذا التفضيل من رسول الله ﷺ لهذه السور والآيات من باب الحث على الاستكثار من العمل الصالح والمداومة عليه، وطلب الزيادة من الأجر والثواب والقرب من الله سبحانه وتعالى.” (الصفحة الرسمية للداعية عبر الفايسبوك 06/02/2021).

والدنيا أعظم سحرًا من سحر السَّحَرَة، فالسَّحَرَة يفرقون بين المرء وزوجه، أما الدنيا فإنها تفرق بين العبد وربه!

القرآن الكريم يُثَبِّت الفؤاد على الحق {كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} (سورة الفرقان، الآية: 32) والقلب المطمئن أعظم من القلب السعيد، لأن السعادة وقتيه، والطمأنينة دائمة حتى مع المصيبة، ومن أعظم أسبابها ذكر الله {أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} (سورة الرعد، الآية: 28).

“..واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك..” (صحيح الترمذي).

{فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَٰفِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ}. (يوسف64)


آخر المستجدات
تعليقات

التعليقات مغلقة.