الدكتور خالد ألعيوض: المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هي الحضن المساند للنقل المدرسي باشتوكة أيت باها والقطاع الخاص مدعو لإنجاح هذه التجربة النموذجية

مصطفى وغزيف

داخل فضاء “صالون ألعيوض الثقافي” المتواجد بقلب منطقة أولاد ميمون ، في جماعة سيدي بيبي ، يستقبل الدكتور خالد ألعيوض ضيوفه من فعاليات المجتمع المدني والطلبة ونخبة الثقافة والإعلام والمجتمع، فضاء بدأ يستقطب الكثير من الفعاليات من داخل وخارج إقليم اشتوكة أيت باها ، بالنظر للتجربة الكبيرة لعقود من الزمن مع المؤسسات الوطنية والدولية، وجامعات ومعاهد عالمية، والتي تعتبر فلسفة عمل وحياة يقدمها الدكتور ألعيوض لجيل اليوم، ولكل الفعاليات التي بدأت تأخذ مشعل العمل الجمعوي لصالح التنمية البشرية والمستدامة، اليوم نستعرض تاريخا يدون في سجل غير قابل للمحو، يحمل الكثير من المعطيات التي تقدم المكتسبات المحققة والرهانات الحالية في مجال التنمية بالإقليم، سهلا وجبلا، وخصوصا في القطاع الاجتماعي الذي يشتغل الدكتور خالد ألعيوض، بمعية كل الشركاء، على إنجاح تجربة النقل المدرسي والجامعي لجعل الإقليم رائدا ونموذجيا في هذا المجال الحيوي.. لنتعرف على كل ذلك وبالتفصيل في هذه المقابلة مع “اشتوكة بريس”..

ماهي الإرهاصات الأولى التي منحت لإقليم اشتوكة أيت باها الريادة الجمعوية وتجسيد المقاربة التشاركية لصالح التنمية المحلية؟

البدايات تعود إلى مستهل التسعينات من القرن الماضي، كنا شبابا وأطر، لكن القرى كانت آنذاك لاتتوفر على الماء الشروب والكهرباء، المسالك الطرقية قليلة جدا، وكانت بداية لما اعتبره” ملحمة التنمية” ساهم فيها بدون استثناء، كل أبناء الإقليم، هناك من ساهم بأفكاره، بقيادته وهناك من ساهم بأمواله، وآخرون بأعمالهم بل وبسواعدهم. فلا بد أن نسمي الأشياء بمسمياتها، إذن كنا أمام خصاص. ومعروف أن بداية التسعينات كانت مرحلة طويلة من الجفاف وعشنا فيها مشاكل مرتبطة بالماء الشروب على مستوى القرى. كانت هناك آبار، ولكن كلفتها غالية جداً ولم تعد الأسر تستطيع أن تلبيها لوحدها.
هنا، بدأ ما سميته ب “الابتكار الاجتماعي” وبدأ، للتاريخ، من قرية”تدارت” بجماعة سيدي بيبي، في حدود سنتي 91 و 92 وهي أول من أبدع فكرة “البئر المشترك” للانتقال من البئر الفردي إلى البئر الجماعي والصهريج المشترك بدل الصهريج الفردي.
العودة إلى الذات الجماعية، العودة إلى القيم. التي عاش بها أبناء سوس منذ قرون، وهي قيم”تيويزي” والتضامن وقيم العمل المشترك، والتي تحدث عنها”المختار السوسي” في كتابه الشهير “المعسول” حيث حرص أبناء سوس على العمل التشاركي والمشترك، وهو النهج الذي سيتبناه الإقليم فيما بعد، وهو الطريق والمفتاح لحل الإشكاليات.
طيلة العشر سنوات الأولى ( من 1992إلى حدود 2001) بدأت تتأسس الجمعيات بشكل غريب جداً، وبسرعة فائقة، وأيضا، لأن مقولة شهيرة معروفة في الإقليم “تغنانت” وهي نوع من المنافسة الإيجابية، وأصبحنا نتزاور، فالقرية عندما تسمع بتجربة معينة في قرية تذهب لتراها، وتعود بالفائدة والتجربة، فكان صراحة حماس منقطع النظير، ومساهمات بشكل سخي جدا من أبناء المنطقة في المهجر، ومن فاعلين وأطر، فالجميع انخرط في الدينامية ولم يكن يطرح أي أحد موضوع المقابل أو الربح المادي ولا الربح السياسي، فأنا اعتبرها “العشرية الذهبية” للعمل الجمعوي، تحققت فيها المئات من مشاريع الماء الشروب، وكهربة العالم القروي، وهي أيضا فكرة انطلقت من دوار “باخير” في شراكة مع المكتب الوطني للكهرباء آنذاك، وأعطت هذه الفكرة للشراكة الأولى التي كانت فيها شراكة 50 بالمائة لكلا الطرفين، ثم أيضا فك العزلة عن العالم القروي، الذي أبدعت فيه جمعيات الدائرة الجبلية، أنجزت، صراحة، مشاريع تحسب لها وكبيرة جدا، نظير طريق”تاعلاط” وطريق”تاركانتوشكا” وطرق ضخمة كان ورائها فاعلون مدنيون من المنطقة الجبلية، فأعطت لهذا الإقليم مكان الريادة وبالتالي انطلقت مشاريع في كل اتجاه كتزنيت وتارودانت التي لا ننسى التجربة الأولى التي بدأت مع جمعية الهجرة والتنمية، وكان ورائها مهاجرون ولها السبق في الكهربة القروية بشكل كبير. إذن هذه هي الإرهاصات الأولى التي أعطت هذا العمل، ولكن فيما بعد بدأت قيادات جمعوية تبرز، وأصبح للعديد من الفاعلين الجمعويين صيت ومكانة، واقتحموا مجال تبادل هذه الخبرات، التي تحتاج إلى خبرة أخرى وتتعلق بإيصال هذه المعلومات، فبدأت ما يسمى ب “الهندسة الاجتماعية” أو هندسة التكوين، وكانت مدينة للمنظمات الدولية، خصوصا المنظمة الألمانية للتعاون التقني GTZ التي كونت آنذاك أطر فبدأ الجميع يتلقى حقيبة التكوين في العمل الجمعوي، خصوصا في مجال إعداد وبلورة المشاريع، المقاربة التشاركية، مقاربة النوع، المقاربة الحقوقية، وما يرتبط بالشراكات وغيرها..
هذه الدينامية، أعطت إضافة جديدة إلى الحماس الذي كان في البداية. إذن، فهذه العشرية أعتبرها مرحلة التأسيس والبدايات، ولكن أيضا مرحلة إعطاء طابع للتنمية المحلية أو بروز نموذج جديد للجمعيات على المستوى الوطني، هي ما يسمى بجمعيات القرب أو الجمعيات القروية أو التنموية.
لم يكن عدد الجمعيات بالمغرب، في هذه المرحلة، يتجاوز عشرة آلاف جمعية، ولكن ومع هذا الحماس ارتفع العدد بشكل سريع ليتجاوز 40 ألف جمعية في هذه العشرية الأولى، أو السرعة الأولى.
السرعة الثانية ستنطلق في سنتي 2002و 2003، كنا فاعلين ومنخرطين آنذاك، في جمعية “تيويزي للتنمية والتعاون” التي جمعت مجموعة من الأطر، وفيما بعد سنؤسس “شبكة جمعيات محمية الأركان للمحيط الحيوي RARBA” التي ضمت جمعيات من مختلف أقاليم الجهة، وحتى الصويرة، وتعددت الاهتمامات لننخرط، أولا، في الجانب البيئي والتحسيس بأهمية الموارد الطبيعية، كما قمنا بتنظيم، آنذاك، أيام دراسية حول إشكالية الماء، وتم دق ناقوس الخطر في تلك السنة على أن الفرشة الباطنية مهددة بالزوال، قبل أن نعيش مشاكلها فيما بعد، كما تحدثنا عن التغيرات المناخية في بداياتها والتصحر في بدايته، وشكلت هذه المرحلة بداية لطرح ومعالجة قضايا تتجاوز القرية الصغيرة، إلى قضايا أرحب وأوسع، ولكن تهم الإنسانية بشكل كبير.
وكان اهتمامنا كبيرا، أيضا، على العنصر البشري، فبدأنا، هذه الحركية كلها، في تأسيس ما يسمى برياض الأطفال أو ببداية التعليم الأولي، حيث بدأ المجتمع المدني يؤسس مراكز داخل القرى عن طريق الشراكة، وكانت جمعية” تيويزي” الرائدة في هذا المجال، واستطاعت أن تفتح أكثر من 35 مركز، بشراكة مع جمعيات القرب في الدواوير وكانت في الأول باعتماد ذاتي أي بمساهمات الأعضاء، الذين يتوزعون بين أطباء ومهندسين … لهم غيرة على هذا الوطن، ثم فيما بعد، عن طريق شراكات مع منظمات دولية..
ماهي الرهانات الأساسية التي تم التركيز عليها في هذه المرحلة المهمة ؟
هذه المرحلة، أعطت أهمية خاصة للتعليم، وقلنا إذا أردنا أن نستمر يجب أن نراهن على التعليم، فكانت العودة إلى المدارس بتزويدها بالماء الشروب، حيث كانت تعاني في هذه المرحلة من عدم توفر هذه المادة الحيوية. ثم بناء المرافق الصحية، ثم فيما بعد، ستنخرط الجماعات المحلية في هذا المجال ليأتي البرنامج الاستعجالي لينخرط في هذا النهج، وللتاريخ، فقد كانت جمعيات المجتمع المدني السباقة في هذا الإطار وأعطت هذه الحلول.
لكن ومع تعميم التعليم الابتدائي، سيبرز إشكال جديد، حيث لاحظنا، أثناء دراسة قمنا بها آنذاك، في إطار حركية عرفها الإقليم ورائها جمعية تيويزي وشبكة جمعيات المحيط الحيوي، وهو ما يسمى برامج ” تنمية الدواوير” PDD بشراكة مع المنظمة الألمانية، حيث كنا نقوم بتشخيصات في الدواوير وإعداد “مخططات تنمية الدواوير” آنذاك، في تلك المرحلة، فاكتشفنا وجود مجموعة من الإكراهات من بينها الهدر المدرسي( ولازلت أتوفر على هذا الأرشيف) فبدأنا بالتفكير في الحلول، حيث يظل دائما ” الابتكار الاجتماعي” حاضرا وسباقا، وكانت جمعية” أيت علي بإنشادن” سباقة لفتح أول خط للنقل المدرسي، للتاريخ. فإذا كانت”تدارت” هي أول من بدأ بمشروع الماء الشروب، فإن جمعية”باخير” كانت أول من أنشأ مشروع للسقي الجماعي في إطار البحث عن فرص الشغل وإعادة الاعتبار للفلاحة التقليدية بإقليم اشتوكة أيت باها، فجمعية”أيت علي” كانت هي أول من بدأ مشروع النقل المدرسي، وجمعية “أولاد ميمون للتنمية والتعاون” أول من أسست “مركب سوسيوثقافي” على المستوى الوطني بشراكة آنذاك مع وزارة التشغيل والتكوين المهني والتنمية الاجتماعية والتضامن التي تولاها عباس الفاسي.وهذه فرصة هامة لإعادة كتابة هذا التاريخ، لأن اليوم، بعد نحو 30 سنة الكثير منه بدأ يتلاشى وينسى.
وبعد ذلك، إذن، وفي إطار تشخيص تشاركي قمنا به، ضمن نهج الشراكة أيضا، مع جماعتي”جيت” البلجيكية و” سيدي بيبي” بقريتي “تدارت وحاسي البقر” وجدنا أن أعلى معدلات الهدر المدرسي في صفوف الفتيات كانت مسجلة في هاتين القريتين، فكان التفكير في فتح أول خط للنقل المدرسي ب”سيدي بيبي” سنة 2008 حيث تم عقد اجتماع حضره رئيس الجماعة، آنذاك ، المدير الإقليمي للتعليم، فضلا عن مجموعة من الفعاليات، لكن لم يكتب حينها للفكرة أن تنطلق لأسباب ذاتية وموضوعية.
وبعد سنتين ستأتي التجربة الثانية، بمبادرة من المدير الجهوي للتعاون الوطني، آنذاك، وكنت دائما ألح عليه لأنه بدأ هذه التجربة المرتبطة بالنقل المدرسي في زاكورة بشكل جيد، وكنا نسمع عنها، فاستدعاني في إحدى المرات وأخبرني أن هناك حافلتين وسيارة إسعاف، وحول وجود رغبة لدينا بخصوصها، فاتصلت برئيس الجماعة الحاج محمد بازي، الذي كان تواصله ايجابيا حيث وضعت الجماعة، آنذاك ، ميزانية اقتنت بها الحافلتين وسيارة الإسعاف، فكانت هي بمثابة الخطوط الأولى من نوعها التي انطلقت بسيدي بيبي، الأول بمنطقة أيت ميمون، والثاني بتدارت. وبالنسبة لخط أيت ميمون، فقد كنت مصرا على أن لا يبقى رهينة جمعية واحدة دون بقية القرى المجاورة، فكان منذ البداية مشتركا بين جمعيتي أولاد ميمون وأنوار البرايج للتنمية والتعاون وجمعية أكدال العزيب رغم أن هذه الأخيرة تبعد عنا بحوالي سبع كيلومترات، ورغم نقاشات كانت مطروحة حينها حول الكلفة وهاجس الخسارة المحتملة، وصحيح أننا كنا في هذه المرحلة ندبر في إطار التضامن، إذ أن مايؤديه التلميذ في العزيب مثلا لايغطي حتى تكاليف البنزين، ولكن كنت دائما أقول أن الرهان منصب على الربح الاجتماعي واستطعنا أن نحارب الهدر المدرسي في الدواوير الثلاث بسرعة فائقة، ليرتفع العدد إلى أكثر من نسبة 96 بالمائة، واليوم والحمد لله تم الوصول لتغطية مائة بالمائة.
وضمن الدينامية ذاتها، ستنطلق العملية في كل ربوع الإقليم، وفي ظرف خمس سنوات، أينما وليت وجهك تجد حافلات النقل المدرسي، في السهل والجبل، وأصبح إقليم اشتوكة أيت باها رائدا ونموذجيا.
ماهي المقاربة الاجتماعية التي يتم، عن طريقها، تدبير قطاع النقل المدرسي بالإقليم؟
النقل المدرسي، ظل ومنذ التفكير فيه، ذا طابع اجتماعي صرف وليس ربحيا، فمنطق الربح والخسارة لايستقيم، لأن الهدف الأساسي هو خدمة الأسر المعوزة والمحدودة الإمكانيات، ولذلك فقد كان عندنا إصرار، منذ البداية، على أن نخصص جزءا لاحتضان الأيتام والأسر التي لا تملك الإمكانيات، حيث يعفى سنويا ما بين 26 حتى 30 من الأيتام، من الأسر الفقيرة أو المتعددة الأبناء، حيث يتم إعفاء الإبن الثالث لأسرة تتكون مثلا من ثلاثة أبناء من نسبة 50 بالمائة، ليتم، فيما بعد تعميم الفكرة بعد تأسيس الفيدرالية. وبالتالي، فالكلفة الحقيقية للنقل المدرسي ليست هي التي يؤديها المستفيدون، واليوم يصل ما يؤديه التلاميذ مابين 80 و100درهم أو 60 درهما في بعض المناطق، فالثمن الحقيقي يتجاوز المائتي درهم، وبخصوص مصدر الفارق، فهنا لا بد من التنويه بالعمل الذي قامت به جميع الجماعات الترابية والتي احتضنت الفكرة، كما ندعو تلك التي لم تنخرط بعد أن تدعم هذا القطاع الحيوي الذي يعتبر أساسيا، دون نسيان المجلس الإقليمي الذي أصبح النقل المدرسي من مهامه الذاتية حيث ظل منخرطا في هذه العملية ، كما نشيد بالسلطة الإقليمية التي احتضنت هذا المشروع ودعمته منذ بدايته ولازالت. فهذا هو السياق العام الذي يتم الاستغال داخله، فالشراكة نهج التنمية وهي شعار الإقليم ويتجسد في موضوع النقل المدرسي، الذي يتدخل فيه شركاء فاعلون، يتعلق الأمر بالجمعية المحلية التي تتولى تسيير المشروع، الأسر التي تساهم في تأدية الاشتراك الشهري، الجماعات المحلية التي تساهم بقسط من تكاليف المحروقات، المجلس الإقليمي الذي يساهم بالاقتناء أو بدعم المحروقات.
وبهذه المناسبة، نوجه نداءا إلى الشركات والمقاولات المواطنة الموجودة بكثرة في هذا الإقليم، لكي تدعم هذا المشروع، لأن الذين يستفيدون منه هم أيضا أبناء عدد جد هام من أيناء العمال الذين يشتغلون بهذه المؤسسات الاقتصادية.


وفي إطار “المسؤولية الاجتماعية” نناشد كل المقاولات الكبيرة داخل الإقليم، أن تساهم في مشروع النقل المدرسي لأنها، تدعم عبره، أبناء العمال الذين يساهمون في إنتاج الثروة بالنسبة لها.
ماهي المعطيات المتوفرة والمؤشرات المرتبطة بتطور دينامية هذا القطاع بالإقليم ؟

لتعزيز ماذكرناه، ولمعرفة واقع الأمور، فقد قمت بدراسات وتتبع منذ البداية، ففي سنة 2016 قامت عمالة الإقليم، مشكورة، بتنظيم يوم دراسي حول النقل المدرسي، حيث كنت مطالبا حينها بإعداد عرض حول الموضوع، وكنت قد هيأته، إذ وبلغة الأرقام، وصل عدد المستفيدات والمستفيدين من النقل المدرسي إلى 6194 تلميذة وتلميذ، وعدد الحافلات المخصصة، آنذاك، وصل إلى 74 حافلة. كما كان يوفر هذا المرفق الهام 95 منصب شغل، بمعنى أن العدد ذاته من الأسر التي يعيلها السائقون والمرافقون تعيش من هذا القطاع. وقد لاحظنا، حينها، ارتفاع نسبة التحاق الفتيات بالسلكين الإعدادي والثانوي.
أما اليوم، فإن الأرقام قد تغيرت وأصبح عدد المستفيدين مرتفعا بشكل كبير جدا، حيث يتجاوز 14 ألفا من التلاميذ والتلميذات، وهي موزعة كالتالي:
• المستوى الابتدائي العمومي: 2623 تلميذ وتلميذة( ضمنهم 1262 إناث).
• المستوى الإعدادي العمومي : 9166 تلميذ وتلميذة( ضمنهم 4537 إناث).
• المستوى الثانوي العمومي: 2912 تلميذ وتلميذة( ضمنهم 1766إناث. وهناك اليوم تجربة أولى أيضا بالنسبة للنقل الجامعي هي التي انطلقت من منطقة”حاسي” التي تتوفر جمعيتها على عضوية في فيدرالية النقل المدرسي والجامعي بسيدي بيبي، واليوم يستفيد منها 96 طالبة بالنسبة للنقل الجامعي، وهي أول تجربة ونتمنى أن تنطلق خطوط أخرى نحو القطب الجامعي لأيت ملول، فالتجربة دخلت موسمها الرابع، وهي ناجحة بكل المقاييس، بل تحتاج إلى تعزيز ومساندة ودعم حتى لا تكون الكلفة مرتفعة بالنسبة للأسر.
وفضلا عن ذلك، فاليوم عدد السيارات على مستوى الإقليم، وصل إلى 174 سيارة بالإضافة إلى 57 حافلة. بمعنى أن الأسطول الذي يجوب أرجاء تراب إقليم اشتوكة أيت باها، يصل في المجموع إلى 231 موزع مابين الحافلات الصغرى والكبرى، كما ارتفع عدد مناصب الشغل إلى 192.
كيف يمكن تحليل نتائج هذه المعطيات الرقمية ؟

الأرقام اليوم تتحدث عن نفسها، فإذا قرأتا من جانب 14 ألف تلميذ وتلميذة، فهو يمثل رقما جد مهم، بالتالي، يجب أن ندعم هذا القطاع، فهو قطاع ناجح مائة بالمائة، فبالموازاة، ينبغي مواكبة هذا الرقم بالرفع من عدد الداخليات إذا أردنا تعميم التعليم، ومحاربة الهدر المدرسي، وكلفة الأقسام الداخلية هي مرتفعة جدا، حيث تصل إلى نحو 4000 درهم للتلميذ، بغض النظر عن المطبخ والامكانيات والتجهيزات، في حين أن النقل المدرسي يكلف الأسر، اليوم، تقريبا 1000 درهم سنويا، ولو توفر دعم، كما قلنا، من طرف القطاع الخاص مثلا، لكان هناك خفض في التكلفة بالنسبة للأسر المعوزة.


وفي جانب آخر، ما يرتبط بتشغيل وإعالة المئات من الأسر والتي تستفيد اليوم من هذه العملية، والحكومة تتحدث اليوم عن برامج لتوفير فرص الشغل، كأوراش ومجموعة من القطاعات لإنعاش التشغيل، وبالتالي فالنقل المدرسي يعتبر اليوم قطاعا مشغلا، وجب أن ننتبه إليه، ثم لا ننسى أننا نجد اليوم أطر جديدة داخل مناطق لم يكن التعليم يتجاوز بها مستوى الإعدادي، واليوم هناك توفر مستويات الثانوي، ثم الجامعي والكثير انخرطوا في التعليم في القطاعات المنتجة وعادوا إلى قراهم ليفيدو ويستفيدوا كما استفاد من سبقوهم.
أنا أعتبر بأن قوة ما أنتجته الحركة الجمعوية بإقليم اشتوكة أيت باها، مشكورة بكل أطرها، سهلا وجبلا، توج اليوم بالنقل المدرسي، ويشكل هذا سيرورة لم تتوقف منذ، كما قلت، بمشاريع الماء الشروب والكهرباء والطرق، مرورا برياض الأطفال ووصولا إلى النقل المدرسي، البحث عن فرص الشغل، والمشاريع المدرة للدخل، فهذه كلها هي من سيرورة ودينامية يجب حمايتها، وأن توضع لها شروط الاستمرار، إذ في بعض الحالات تحدث أشياء تربك هذا العمل، كما يجب أن نعطي للعمل الجمعوي مكانته وفصله عن الحزازات والصراعات السياسوية الضيقة، حتى يستمر باعتباره جزءًا منتجا وفاعلا إلى جانب الجماعات الترابية والمجلس الإقليمي ومؤسسات الدولة، ولا يمكن لأحد أن يدعي أنه الوحيد الذي قام بكل شيء، فهناك نهج الشراكة والتعاون والتكامل، ولكن يجب أن يقوم كل فاعل بدوره، وعدم خلط الأدوار، لأن خلطها يؤدي إلى قتلها، لكن الفصل بينها بحيث يقوم كل فاعل بدوره على أحسن وجه، سيكون الرابح الأساسي والكبير هو هذا الإقليم، وهنا لابد أن ننوه بالقاعلين الترابيين وبالمهاجرين والفعاليات الاقتصادية لهذا الإقليم، والسلطات المحلية والإقليمية وعلى رأسها العامل، الذي صراحة يتبنى هذا المشروع ويدعمه بشكل كبير من أجل أن يستمر ويتألق وأن يعطي الإشعاع، واليوم الكثير من الأقاليم تتصل باشتوكة أيت باها من أجل الاستفادة من هذه التجربة، التي نتمنى تعميمها وتصل إلى المستوى الجامعي، مع البحث عن آليات ووسائل للتمويل للاستدامة حتى لا تتأثر الجمعيات التي عانت الكثير خلال الموسمين الماضيين، أثناء وبعد الجائحة، مع ارتفاع أسعار المحروقات بشكل كبير، ونوجه لها تحية عالية لأنها استطاعت أن تصمد وتقديم هذه الخدمة في ظل هذه الظروف التي كان لها تأثير كبير على مداخيل الأسر، لكن بالرغم من ذلك، فإن هذا المرفق لم يتوقف، فوجب أن نحيي كل الفاعلين والغيورين، فهذا العمل هو تشاركي ساهم فيه الجميع. فإذا كنت أتحدث اليوم باسم الفاعلين، فإنني لا أدعي هذا الأمر لنفسي ولكن نحن جزء من جنود وخدام التنمية ونعمل على رفعتها وتعميم هذه التجارب ونقدم خبرتنا خدمة لصالح هذا الوطن، وكما أقول دائماً، فالوطن يبدأ من القرية والحي والجماعة والإقليم لكي نبني وطنا رحبا تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الذي سار على هذا النهج من التنمية منذ اعتلائه عرش أسلافه واليوم فالمغرب محسود على ما حققه من الإنجازات، والبلاد في الطريق الصحيح بالاستمرار في هذا العمل والنهج من أجل وطن متألق يعطي الفرصة لأبنائه ويسعى لاحتلال مراكز متقدمة وريادية قاريا وعالميا.

القطاع يعرف اليوم مجموعة من الإكراهات منها المرتبطة بتلاشي الأسطول بالنسبة للحافلات التي تعود لسنوات 2006 و 2007 وتحتاج لضرورة التجديد، وتعقد بعض المساطر، وهنا لابد من التنويه بالتعاون الوطني الذي عمل بشكل كبير على تسهيل استقدام الحافلات، لكن الجمعيات تجد صعوبة في الحصول على بعض الوثائق، خصوصا أثناء تحويل الترقيم الدولي إلى المحلي، وبالتالي فينبغي تسهيل هذا الأمر، لأنه في الأخير هذه الجمعيات تشتغل في إطار المنفعة العامة، لا تشتغل في المنفعة الخاصة. بالإضافة إلى ذلك، هناك مشكل ارتفاع المصاريف اليومية والصيانة، في ظل قلة المداخيل، وبالتالي لابد من تنويع المصادر، لأنه لا منحة الجماعات ولا منحة المجلس الإقليمي ستغطي هذا الخصاص، فهنا يجب أن نركز على ضرورة تدخل القطاع الخاص وينخرط في دعم هذا المجال.
من جانب آخر، وعلى مستوى العنصر البشري، يجب القيام بأنشطة تكوين وتدريب، فأنا أعتبر أن هؤلاء ليسوا فقط سائقين، بل أيضا مربين، فهم يعرفون التلاميذ والتلميذات ونحن نقول دائما بأن الحافلة”قسم متنقل” فإذا كان التلميذ يتلقى تكوينا لدى الأساتذة في القسم، وهم مشكورين، فيجب أن تراعى هذه الشروط أيضا في الحافلة حتى نضمن للتلميذ أيضا تكوينا اجتماعيا تربويا انطلاقا من باب منزله إلى باب المؤسسة، ذهابا وإيابا.
بالتالي، فهذا مهم جدا، القيام بدورات تكوينية وتحسيسية للسائقين الجدد، لأن هذا المجال، كما قلنا، ليس فقط للتعليم بل أيضا للتربية بالدرجة الأولى، ولابد كذلك من إنجاز دراسات قبل فتح الخطوط لمعرفة عدد التلاميذ والتلميذات والمدرات، والمداخيل والمصاريف، من أجل التعميم، لأنه، وفي مرحلة معينة، كانت “موضة” كان الجميع يريد أن يقوم بالنقل المدرسي وفي بعض الحالات لاتكون هناك حاجة إلي فتح خطوط وبالتالي يجدون صعوبة في الاستمرارية، فلا بد من دراسات عن طريق العمالة، مثلا، أو المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مشكورة وهنا لابد أن ننوه بالدور الكبير الذي قامت به في دعم قطاع النقل المدرسي بالإقليم، ونقترح اليوم القيام بدورات تدريبية للجمعيات العاملة في هذا المجال، حول مسالك التدبير والتسيير، وللسائقين، في إطار موضوع الحكامة الذي تقوم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بتأطيره.
ماهي المكتسبات التي حققتها آلية المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بالإقليم لتطوير هذا القطاع الاجتماعي، بالسهل والجبل؟

لقد حققت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مكتسبات عديدة خصوصا في المجال الاجتماعي، وقطاع النقل المدرسي بإقليم اشتوكة أيت باها، فإذا لاحظنا بالنسبة للأرقام التي تحدثنا عنها فإن معظم السيارات التي تجوب الإقليم اليوم، تم اقتنائها في إطار برنامج المبادرة الوطنية، علما أن كلفة الاقتناء كبيرة جدا، فالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بالإقليم استطاعت أيضا أن تجند شركاء من بينهم الوكالة الوطنية للواحات وتنمية مناطق شجر الأركان، المجلس الإقليمي، وبالتالي فهذه الرافعة والآلية التمويلية هي التي استطاعت أن توفر 174 سيارة، وبولسطتها تم تغطية الإقليم كاملا، وهناك بعض المناطق فيها عدد كبير من السيارات ارتباطا بعدد السكان وهذا منطقي ومعقول، وهذه التغطية الكاملة لتراب الإقليم هو إنجاز غير مسبوق، وهنا ننوه بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية والتي تواكبها السلطات الإقليمية باقتدار.


آخر المستجدات
تعليقات

التعليقات مغلقة.