رسائل من أمام مقبرة الشهداء بإداوكنيضيف: زيارة العامل الصبتي.. تحويل الرمزية التاريخية إلى التزام تنموي

مصطفى وغزيف

في منطقة إداوكنيظيف، حيث لا تزال الأرض تحتفظ بصدى بطولات الأجداد، لم تكن زيارة عامل إقليم اشتوكة آيت باها للنصب التذكاري لشهداء “الجامع أقديم” مجرد نقطة في جدول أعمال الزيارة الميدانية الأولى للعامل محمد سالم الصبتي، بل كانت فعلاً اجتماعيا وإنسانياً مكثفاً، يربط بشكل مباشر بين تقدير تضحيات الماضي ومتطلبات الحاضر. إن الوقوف أمام المقبرة الجماعية لضحايا القصف الجوي الاستعماري، وعقب لقاء تواصلي مباشر مع ممثلي الساكنة بالمجلس الجماعي المحلي، هو إقرار بأن معركة التنمية اليوم هي امتداد طبيعي لمعركة التحرير بالأمس، وبأن الوفاء لدماء الشهداء لا يكون بالترحم فقط، بل بالعمل الملموس على الأرض التي دافعوا عنها.

لوحة شهداء إداوكنيظيف: وثيقة تاريخية تكشف وحشية الاستعمار وترسخ ذاكرة الوحدة الوطنية

إن النصب التذكاري لشهداء إداوكنيظيف ليس مجرد شاهد على فاجعة، بل هو وثيقة تاريخية دقيقة تفكك طبيعة المواجهة وتكشف أبعادها الوطنية. من خلال تحليل معطياتها المحفورة، تتضح رواية تتجاوز حدود المعركة العسكرية التقليدية، لتروي قصة استهداف ممنهج لإرادة شعب، وتضحية موحدة شكلت جزءاً أصيلاً من ملحمة التحرير الوطنية.

اللوحة تحدد بدقة بالغة أن الهجوم لم يكن مواجهة في ساحة حرب، بل “غارة جوية دموية” شُنت يوم “الجمعة 4 شتنبر 1931” على “سوق الجمعة”. هذا التحديد للمكان والزمان والوسيلة ليس تفصيلاً عابراً؛ إنه جوهر الإدانة. استهداف سوق أسبوعي، وهو شريان الحياة الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة، بالطيران الحربي، يكشف عن استراتيجية استعمارية قائمة على ترويع المدنيين وكسر الحاضنة الشعبية للمقاومة. لم يكن الهدف مواقع عسكرية، بل كان النسيج المجتمعي نفسه، ما يحول الحدث من “معركة” إلى “مجزرة” موثقة، ويمنح مقاومة القبائل بعدها الأخلاقي والوطني.

أما قائمة الأسماء، فتنتقل بالرواية من الإطار العام إلى العمق الإنساني والجغرافي للوحدة. إن ذكر أسماء رجال ونساء، مثل “المزراك مريم بنت محمد” و”حناش رقية بنت محمد”، إلى جانب المقاومين، يثبت أن الهجوم طال كافة مكونات المجتمع. والأهم من ذلك، أن ربط كل شهيد بقبيلته أو منطقته، من “دوار أكرض نتزكا ادو كنضيف” و”دوار ازوكاين” إلى “دوار دوتينزار ايت عبد الله” و”تانالت”، يرسم خريطة حية للتضحية المشتركة. هذه القائمة هي الدليل المادي على أن المقاومة لم تكن معزولة، بل كانت جبهة وطنية مصغرة، توحدت فيها قبائل المنطقة في مواجهة عدو مشترك، مقدمةً دماء أبنائها وبناتها ثمناً للكرامة والسيادة.

 ترجمة الذاكرة إلى مشاريع: من التضحية إلى الاستحقاق

ولعل الرسالة الأساسية التي يمكن استخلاصها من هذا الحدث هي الانتقال من منطق “التضحية” إلى منطق “الاستحقاق”. فإذا كانت إداوكنيظيف قد قدمت في الماضي أغلى ما تملك دفاعاً عن الوطن، فإنها تستحق اليوم، وبقوة الذاكرة نفسها، أن تكون في صلب أولويات السياسات العمومية.

اللقاء التواصلي الذي سبق زيارة النصب التذكاري هو الجانب العملي لهذه المعادلة؛ إنه المنصة التي تُطرح فيها التحديات الحقيقية التي تواجهها المنطقة: البنيات التحتية، ندرة الموارد المائية، والحاجة إلى خلق فرص اقتصادية للشباب…

بهذا المعنى، تصبح الزيارة بمثابة جسر يربط بين الذاكرة الوطنية والتخطيط التنموي، مؤكداً أن العدالة المجالية ليست خياراً، بل هي دين تاريخي على عاتق الدولة تجاه هذه المناطق المناضلة.


آخر المستجدات
تعليقات
تعليق 1
  1. عبدالله م. يقول

    الضربة كانت تستهدف اساكا تساكات نيت عبلا مهد المقاومة بقيادة زاكور و كان بعض المقاومين من تاغزوت إخولان يقدمون يد العون (ثلاثة أو أربعة ) المقاومة بأيت عبلا…….

التعليقات مغلقة.