يجد إقليم اشتوكة أيت باها نفسه اليوم عند منعطف حاسم. ففي الأفق، تتبلور رؤية واضحة تحملها إرادة مشتركة بين السلطات العمومية والفاعلين الاقتصاديين ومدبري الشأن العام المحلي، هدفها رسم ملامح مستقبل يتجاوز الاعتماد الحصري على القطاع الفلاحي كقاطرة وحيدة للتنمية. إنها خارطة طريق عملية، تسلط الضوء على مكامن القوة الكامنة بالإقليم وتحدد بدقة آليات تحويلها إلى مشاريع ملموسة.
فك شفرة الفرص الكامنة: من الساحل إلى المنتزه الوطني
في قلب هذه الرؤية الجديدة، يبرز رهان استراتيجي على قطاعات ظلت طويلاً في الظل. على رأس هذه القطاعات، يأتي تثمين الشريط الساحلي للإقليم، الذي يمتد على مسافة تقارب 12 كيلومتراً ويزخر بإمكانيات سياحية ضخمة. لم يعد النقاش اليوم يدور حول حجم الإمكانيات، بل حول آليات التفعيل الكفيلة بإخراج المشاريع المرتبطة بهذا القطاع إلى حيز الوجود، وتحويل الساحل إلى وجهة جاذبة للاستثمار السياحي النوعي.
وبأهمية لا تقل عن ذلك، يُطرح ملف فتح المنتزه الوطني لسوس ماسة أمام الاستثمار. وهي خطوة جريئة تهدف إلى خلق منتجات سياحية بيئية تحترم خصوصية الموقع الطبيعي وتوازنه الإيكولوجي. الفكرة الجوهرية هنا هي تحقيق معادلة دقيقة: تنمية اقتصادية مستدامة تحافظ على الثروة الطبيعية وتستثمر فيها بشكل عقلاني، ما يفتح الباب أمام جيل جديد من المستثمرين المتخصصين في السياحة الإيكولوجية.
بنية تحتية صناعية: معالجة الماضي وبناء المستقبل
إدراكاً بأن أي تنويع اقتصادي حقيقي يتطلب قاعدة صناعية صلبة، تضع خارطة الطريق ملف المناطق الصناعية كأولوية قصوى. وتتمحور الاستراتيجية حول محورين أساسيين: الأول هو التسريع بإخراج المنطقة الصناعية لإمي مقورن وسيدي عبو إلى حيز الوجود، بهدف ضخ دماء جديدة في النسيج الإنتاجي وتوفير وعاء عقاري مجهز لاستقبال المشاريع. أما المحور الثاني، فيتمثل في معالجة الإشكاليات العالقة بالمنطقة الصناعية لسيدي بيبي، وهو ما يعكس رؤية واقعية لا تكتفي بإطلاق مشاريع جديدة، بل تعمل على تأهيل وتصحيح مسار ما هو قائم لتعزيز جاذبيته.
توفير البيئة الحاضنة: لا استثمار بدون بنية تحتية
انطلاقاً من قناعة راسخة بأن رأس المال يبحث بطبعه عن بيئة آمنة ومتكاملة، يبقى تحقيق كل هذه الطموحات رهيناً بتسريع وتيرة إنجاز البنيات التحتية الأساسية. وتتصدر قائمة الأولويات مشاريع التطهير السائل، التي تعتبر حجر الزاوية لأي تنمية حضرية أو صناعية حديثة، إلى جانب تعزيز منظومات الماء والكهرباء الموجهة للاستعمال الصناعي*، لضمان تزويد مستمر وموثوق للمستثمرين.
منظومة متكاملة للتنفيذ والمواكبة
ولضمان ألا تبقى هذه الرؤية حبراً على ورق، يتم التشديد على أهمية العمل بمنطق المنظومة المتكاملة. فلن يكتمل النجاح دون القيام بحملات ترويجية وتسويقية ذكية تعرف بمؤهلات الإقليم وفرصه الواعدة. والأهم من ذلك، هو ضرورة الانخراط الفعلي والفعال لكافة المتدخلين والشركاء، وعلى رأسهم المركز الجهوي للاستثمار، والغرف المهنية (التجارة والصناعة والخدمات)، والتنظيمات المهنية، لتكون هذه الهيئات شريكاً حقيقياً في مواكبة هذه الدينامية الاقتصادية، وتسهيل المساطر، وتقديم الدعم اللازم للمستثمرين.
وهكذا، تترسخ معالم مرحلة جديدة في اشتوكة أيت باها، مرحلة تتجاوز مجرد التشخيص لتنتقل إلى التنفيذ، وتتجاوز الجهود الفردية لصالح التنسيق الجماعي. يقف الإقليم اليوم على عتبة تحول اقتصادي واعد، يبقى نجاحه مرتبطاً بالسرعة التي ستُترجم بها هذه الطموحات إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع.