تحليل: بالأرقام .. كيف أعادت المبادرة الوطنية رسم خريطة التمكين الشامل للمرأة باشتوكة آيت باها؟

مصطفى وغزيف

تصوير: سعيد الحاميدي

يختار إقليم اشتوكة آيت باها لغة الأرقام والمؤشرات الميدانية الدقيقة لتقديم حصيلة المنجز التنموي للمرحلة الثالثة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (2019-2025). لم يعد التمكين النسائي في القرى والمداشر الجبلية للإقليم مجرد ترف فكري أو شعار مرحلي، بل تحول إلى واقع ملموس وهندسة اجتماعية دقيقة. وتكشف البيانات الرسمية عن تدخلات استراتيجية استهدفت جذور الهشاشة عبر مقاربة شمولية: تبدأ بتأمين مقاعد الدراسة للفتيات القرويات والتعليم الأولي، مروراً بتحصين صحة الأم والطفل وتكسير العزلة الجغرافية، وصولاً إلى الإدماج الاقتصادي المبتكر. إنها قصة تحول عميق تقطع مع التهميش، وتعيد التموقع الاستراتيجي للمرأة القروية باشتوكة آيت باها كرافعة حقيقية ومنتجة للتنمية المحلية.

التعليم.. خط الدفاع الأول ضد الهدر المدرسي بلغة الأرقام

تبدأ رحلة التمكين من مقاعد الدراسة، حيث أدركت المبادرة أن محاربة الهدر المدرسي في صفوف الفتيات القرويات هي المدخل الأساسي لأي تنمية حقيقية. وتترجم لغة البيانات هذا التوجه بنجاح باهر؛ فقد قفزت نسبة تمدرس الفتيات بالوسط القروي من 95.52% خلال الموسم الدراسي (2017-2018) إلى 98.01% حالياً (2024-2025).

هذا التطور الإيجابي لم يأتِ من فراغ، بل كان ثمرة استثمار حقيقي في البنية التحتية لـ “دعم التمدرس”، حيث تم توفير 17 داراً للطالب والطالبة، بطاقة استيعابية إجمالية تبلغ 1582 مستفيداً ومستفيدة. ولم يقتصر التدخل على المستويات المتقدمة، بل شمل الأساس عبر “التعليم الأولي”، حيث تم إحداث 110 وحدات للتعليم الأولي، يستفيد منها حالياً 2336 طفلاً وطفلة، ما يؤسس لبيئة حاضنة تعفي الفتاة القروية من عبء المسافات وتمنحها فرصة متكافئة.

البنية التحتية والصحة.. رعاية تكسر عزلة الجبال

لا يستقيم التمكين الاجتماعي دون أمن صحي وبنية تحتية تفك العزلة. في هذا الصدد، تشير الإحصائيات إلى إنجاز 36 مشروعاً استراتيجياً لتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية (كالمسالك والطرق والماء الصالح للشرب والكهرباء)، بغلاف مالي ساهمت فيه المبادرة الوطنية بـ 41,837,279.49 درهم.

وعلى المستوى الصحي، برزت “منظومة الصحة الجماعاتية” كآلية فعالة للنهوض بصحة الأم والطفل، حيث تم تخصيص تكلفة إجمالية بلغت 845,000.00 درهم، استهدفت بشكل مباشر 1288 امرأة مستفيدة، ما يساهم بشكل ملموس في تذليل العقبات الصحية، التي تواجه نساء المنطقة المنحدرات من التضاريس الجبلية الوعرة.

من الرعاية إلى الإنتاج.. رهان التمكين الاقتصادي بالأرقام

الخطوة الحاسمة في هذا المسار هي الانتقال بالمرأة القروية من دائرة الهشاشة إلى موقع الفاعلية الاقتصادية، وذلك ضمن برنامج “تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب”. وتكشف لوحة البيانات عن تدخلات دقيقة موزعة على ثلاثة محاور رئيسية:

1. منصة الشباب (حصص الإنصات والتوجيه): استفادت 1041 امرأة من هذه الخدمات، بتكلفة إجمالية بلغت 5.7 مليون درهم (مولة بالكامل من مساهمة المبادرة).

2. محور ريادة الأعمال:

تم دعم 42 مستفيدة لدخول غمار المقاولة، بتكلفة إجمالية بلغت 31.87 مليون درهم، بلغت مساهمة المبادرة فيها 27.31 مليون درهم.

3. محور دعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني: استفادت 20 امرأة (تعاونيات ومشاريع تضامنية) من دعم مالي، حيث بلغت التكلفة الإجمالية للمشاريع 30.03 مليون درهم، ساهمت المبادرة فيها بـ 18.08 مليون درهم.

حصيلة تستشرف القطع مع التهميش

إن التحليل الاستشرافي لتدخلات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية باشتوكة آيت باها يكشف عن رؤية مندمجة ومبنية على مؤشرات قياس دقيقة. هذه المشاريع والملايين المستثمرة لم تكن مجرد أرقام في سجلات المحاسبة، بل هي أدوات حاسمة لتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، ومحاربة الفقر، وجعل المرأة القروية رقماً صعباً وشريكاً لا غنى عنه في معادلة التنمية المحلية بالإقليم.


آخر المستجدات
تعليقات

التعليقات مغلقة.