العامل الصبتي يُطلق دينامية جديدة للتعاطي مع الهشاشة الاجتماعية بإقليم اشتوكة أيت باها

مصطفى وغزيف

لم يكن، اجتماع اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية الأخير، مجرد لقاء عادي لتشخيص المنجز وإعلان التطلعات، بل اعتبره المتتبعون للشأن المحلي بالإقليم مُؤَسـسِـسًا للحظة مفصلية في مقاربة السلطات الإقليمية لملف الهشاشة الاجتماعية؛ سواء على المستوى المجالي أو نوعية الفئات الاجتماعية المستهدفة.

وتقوم هذه المقاربة، التي طرح العامل محمد سالم الصبتي بعض ملامحها في الاجتماع المذكور، على دعامتين أساسيتين:

1. مواصلة العناية بالقطاعات الاجتماعية:

وهي القطاعات التي حققت فيها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية نتائج جيدة وخلقت تجارب نوعية؛ خصوصاً في تدارك الخصاص المسجل في البنيات والتجهيزات الأساسية في المناطق التي ما زالت تعاني من الخصاص في المجالين القروي والجبلي. بالإضافة إلى مواصلة تقديم الدعم الاجتماعي في عدد من المجالات، خصوصاً في قطاعي الصحة والتعليم؛ من خلال العناية بالمرضى المصابين ببعض الأمراض المزمنة وصحة الأم والطفل وذوي الاحتياجات الخاصة، ودعم التمدرس عبر آليات النقل المدرسي والدعم التربوي والتعليم الأولي، دون إغفال الإدماج الاقتصادي للشباب حاملي المشاريع وتطوير الاقتصاد التضامني والاجتماعي.

2. إطلاق مقاربة جديدة للإسناد الاجتماعي للفئات الهشة:

أكد العامل الصبتي على أهمية توسيع منظومة المواكبة الاجتماعية بالإقليم لتشمل عدداً من الفئات الاجتماعية الهشة المتواجدة على الهامش، ولم تشملها برامج التدخل السابقة من طرف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو غيرها من الفاعلين المؤسساتيين في المجال الاجتماعي؛ مع الحرص على توجيه البرامج الحالية والمستقبلية لتدارك هذا الخصاص.

وفي هذا الإطار، أشار المسؤول الترابي – وفي مجال العناية بالأجيال الصاعدة خصوصاً في المناطق القروية والهشة – إلى ضرورة إطلاق جيل جديد من مؤسسات الحماية الاجتماعية لفائدة أطفال العمال والعاملات الزراعيين، من خلال مشاريع نوعية بالمنطقة السهلية توفر الاستقبال والرعاية والخدمات التربوية والتعليمية لهذه الشريحة الاجتماعية الأكثر هشاشة.

وتُراهـن السلطات الإقليمية على هذه المؤسسات الاجتماعية المنتظر إنجازها في إطار شراكة بين المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وعدد من الشركاء المؤسساتيين والنسيج الجمعوي والقطاع الخاص؛ يُرَاهَن عليها باعتبارها مساهمة جديدة في معالجة عدد من الصعاب التي يعاني منها الأطفال في المجالات الاجتماعية الهشة، والتخفيف من مظاهر العزوف والهدر المدرسي والعنف ضد الأطفال وغيرها من الممارسات الماسة بحقوق الأطفال في التربية والتعليم والعيش الكريم. وبالتالي، فإن هذه الحاضنات الاجتماعية يعول عليها كصمام أمان متقدم للعناية بالأجيال الصاعدة تشمل الجميع، وتحقق مبدأ العدالة المجالية.

هذه المقاربة الاجتماعية الجديدة تُـعَـزَّز أيضاً، حسب عامل الإقليم، من خلال برنامج توظيف الرياضة كوسيلة للإدماج الاجتماعي ومعالجة الظواهر التي تعرقل تمدرس الأطفال، وهي مقاربة أكدت نجاعتها؛ وسيتم اعتمادها تدريجياً من خلال مجموعة من المؤسسات التعليمية بدءاً بجماعة “أيت اعميرة”، وسيتم تعميمها في الأفق المنظور كآلية جديدة للإسناد الاجتماعي للفئات الهشة.

المقاربة الجديدة تروم أيضاً التصدي لمظاهر الهشاشة على مستوى المنظومة الصحية؛ من خلال النهوض بصحة الأم والطفل، خصوصاً بالمناطق الجبلية والنائية، في إطار برنامج طموح للصحة الجماعاتية يقوم على تأسيس منظومة تتكفل بالعناية بأوضاع المرأة الحامل وتتبع مراحل الحمل والاهتمام بالطفولة المبكرة ومراقبة صحة الأم والطفل في أفق تدارك الإشكالات التي تواجه البرامج الصحية المعتمدة في هذا المجال. وهي تجربة ظهرت تجلياتها الإيجابية من خلال عمل فريق الوسيطات الاجتماعيات ودار الأمومة بالمنطقة الجبلية.

هذا بالإضافة إلى تطوير تجربة النقل المدرسي بالإقليم، ومحاربة شكل آخر من الهدر المرتبط بتأمين مواصلة الدراسة الجامعية والعليا للتلاميذ المنحدرين من أسر هشة؛ وذلك عبر توسيع مجال التدخل ليشمل النقل الجامعي، خصوصاً بالنسبة للفتيات في المناطق القروية واللواتي أظهرت المؤشرات أنهن يعانين من صعوبة في مواصلة مسارهن الدراسي، وبالتالي ارتفاع مؤشرات الهدر الجامعي المتعدد المستويات. دون إغفال العناية بتمدرس الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، من خلال إحداث أقسام مندمجة في المؤسسات التعليمية تضمن حق هؤلاء الأطفال في تعليم جيد أسوة بغيرهم، وتساعدهم على الاندماج في محيطهم الدراسي بشكل سلس.

هذه بعض أبرز مخرجات اجتماع اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية، والتي تجسد عزم السلطات الإقليمية على اقتحام معاقل جديدة للهشاشة بمختلف المناطق؛ في إطار مقاربة شمولية ترسخ مبدأ العدالة المجالية والاجتماعية، وتجديد الأولويات استناداً إلى التحولات المتسارعة التي يعرفها الإقليم، وهي مقاربة تقوم على التكامل بين مختلف المتدخلين المؤسساتيين من سلطات عمومية ومصالح قطاعية ونسيج جمعوي وقطاع خاص، كما أنها تؤسس لنقاش مجتمعي متجدد حول راهن وإكراهات العمل الاجتماعي في ظل تحولات مظاهر الهشاشة بالإقليم.


آخر المستجدات
تعليقات

التعليقات مغلقة.