بينما تمتد الرمال الذهبية لتلتقي بظلال شجر الأركان الأسطوري، يبرز جيل جديد من أبناء “سيدي بيبي” ليصيغوا مفهوماً مغايراً للضيافة، حيث لم تعد الرحلة مجرد عبور مكاني، بل انغماس وجداني في قلب الطبيعة الخام. هنا، وعلى امتداد 34 ألف هكتار من الجمال البكر الذي يربط عمالة إنزكان بتيزنيت، يتجلى المنتزه الوطني سوس ماسة كأحد أرقى الملاذات البيئية في القارة السمراء، محتضناً في جزئه الأكبر بتراب إقليم اشتوكة أيت باها أسراراً حيوية تمتد من هيبة طائر “الناسك” النادر إلى شموخ غابات الأركان التي تحكي قصة صمود الأرض والإنسان.
سيمفونية الطبيعة بين عراقة الأركان وهيبة “الناسك”
في هذا الفضاء الساحر الذي يمزج بين زرقة المحيط وصفاء الكثبان، لم يعد شباب “سيدي بيبي” مجرد مرشدين عابرين، بل استحالوا إلى “سفراء فوق العادة” للسياحة الخضراء، متسلحين بروح جمعوية وتشاركية جعلت من الإرشاد السياحي رسالة حضارية قبل أن يكون مهنة.
هؤلاء الشباب، الذين اتخذوا من العمل التعاوني منصة للاحترافية، يقدمون لزوار المنتزه تجربة استثنائية تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان ومحيطه، محولين المسارات الطبيعية إلى حكايات حية تروي تفاصيل التنوع البيولوجي المذهل، من المناطق الرطبة التي تعج بالطيور المهاجرة إلى الموائل الطبيعية التي تحتضن أصنافاً من الحيوانات البرية التي تجد في هذا المجال بيئة مثالية للحياة.
نبض سيدي بيبي.. حين تصبح الضيافة رسالة بيئية
هذا الشغف الذي يبديه شباب سيدي بيبي ينعكس بشكل مباشر على ملامح الزوار الوافدين من شتى أصقاع المعمورة؛ فلا يكاد يخلو تصريح لسائحة مبهورة بالألوان والزهور، أو لزائر يكتشف سحر الجنوب لأول مرة، من إشادة بالاحترافية العالية لهؤلاء الشباب الذين يمنحون الضيف “مفاتيح” الدخول إلى عالم سوس ماسة السري. إنهم لا يكتفون بتقديم المعلومات العلمية حول شجرة الأركان ذات الصيت العالمي أو طائر أبو منجل الأصلع المهدد بالانقراض، بل ينسجون مع السائح علاقة إنسانية قوامها الوعي البيئي والمسؤولية المشتركة تجاه كوكبنا، مما يحول كل جولة استكشافية إلى رحلة تعليمية ملهمة تترك أثراً باقياً في النفوس.
هندسة الاستدامة.. استثمار في الأرض وبناء للإنسان
ومن خلال هذا الدور المحوري، نجحت تجربة التعاونيات والجمعيات بسيدي بيبي في خلق توازن عبقري بين الحفاظ على الموارد الطبيعية وتثمينها، وبين خلق فرص شغل نوعية تليق بطموحات الجيل الصاعد. إنها منظومة متكاملة تتنفس الاستدامة، حيث تساهم هذه الدينامية في دعم الاقتصاد المحلي وجعل إقليم اشتوكة أيت باها وجهة رائدة تتصدر خارطة السياحة الإيكولوجية العالمية بفضل سواعد أبنائها. هكذا يظل شباب سيدي بيبي الجسر المتين الذي يربط عراقة الانتماء للأرض بآفاق السياحة العصرية، مؤكدين أن حماية الطبيعة تبدأ بقلوب تؤمن بها، وتستمر بعقول تبدع في إيصال سحرها إلى العالم بأسلوب يفيض بالرقي والاحترافية. إنها عملية “ترجمة” لجمال الطبيعة، هؤلاء السفراء، بوعيهم وحسهم المهني العالي، لا يقودون السياح في دروب المنتزه فحسب، بل يقودون المنطقة نحو أفق تنموي مستدام، يجمع بين الأصالة والحداثة تحت ظلال الأركان الوارفة..
التعليقات مغلقة.