(الحلقة السادسة)..الإشراق الروحي والرسالة العلمية: عناية العامل محمد سالم الصبتي بالشأن الديني في إقليم اشتوكة أيت باها
حين عُيِّن السيد “محمد سالم الصبتي” عاملاً على إقليم اشتوكة آيت باها، لم يكن أمامه مجرد إقليم بثقله الفلاحي والاقتصادي المعروف وطنياً، بل كان أمامه أيضاً إقليم يحمل في تربته موروثاً روحياً وعلمياً متجذراً، تشهد عليه زوايا عريقة ومدارس عتيقة وموروث صوفي ضارب في أعماق جهة سوس. الرجل لم يُبادر بخطابات، بل بادر بزيارات.
مزارات العلم ومحطات التلقي: التزام بالعراقة
لم تكن الزيارات التفقدية التي باشرها السيد العامل لمعالم روحية وازنة، كزاوية سيدي الحاج محمد الحبيب البوشواري التنالتي والمدرسة العتيقة بجماعة تنالت، وزاوية “للا تعلات” بجماعة تسكدلت، مجرد محطات عابرة، بل كانت استحضاراً للمسار التاريخي لهذه القلاع التي تخرجت منها أجيال من الفقهاء.


هذه الفضاءات التي تمثل شواهد حية على عراقة التعليم الأصيل، تتطلب رعاية مستمرة تضمن استمرارية رسالتها التربوية والعلمية في تحفيظ القرآن الكريم وتدريس العلوم الشرعية وفق المنهج المغربي القائم على الوسطية والاعتدال.
موسم “للا تعلات”: ملتقى الأنوار ومدارسة العلوم
موسم “للا تعلات” بجماعة تسكدلت نموذج فريد للتجمعات العلمية التي يحرص السيد العامل على مواكبتها. ففي هذا الفضاء، تتجسد العناية الدينية في أبهى صورها؛ حيث تتحلق حلقات تلاوة القرآن الكريم بمختلف الروايات، وتُعقد الدروس العلمية والندوات الفكرية التي تناولت بالتحليل مساهمات المدارس العتيقة في تأصيل المذهب المالكي. ويشكل حضور عامل الإقليم مناسبة لرفع أكف الضراعة بالدعاء الصالح للملك محمد السادس، والترحم على الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني.

كما أن الموسم، الذي يستقطب أزيد من 15 ألف إمام وفقيه وطلبة علم، أصبح محطة بارزة تكرس قيم الاعتدال والوطنية الحقة، وتحتفي بمناقب الولية الصالحة فاطمة بنت محمد الهلالية (للا تعلات).
مبادرات القرب: في رحاب الإفطار الجماعي
في لفتة إنسانية تعكس التقدير الخالص لرسالة العلم، أرسى السيد محمد سالم الصبتي نهجاً يجمع فيه بين التواجد الميداني والتقدير الروحي، كما تجلى في مبادرة الإفطار الجماعي بالمدرسة العتيقة الإمام الجزولي ببيوكرى.
تقاسم العامل مائدة الإفطار مع طلبة العلم وأطر المدرسة في لحظة تلاحم فريدة، حرص فيها على الإنصات المباشر لمتطلباتهم الدراسية، مثمناً المجهودات الجبارة التي يبذلونها في مسار حفظ المتون وتلقي العلوم الشرعية واللغوية، ما شكل دعماً معنوياً لافتاً أكد أن المؤسسة الدينية تظل في قلب الاهتمام، لما لها من دور في تحصين الناشئة وتنشئتها على مكارم الأخلاق والقيم الفاضلة.
رؤية استشرافية لصون الإرث الديني
هذا الالتزام الميداني، يترجم اليوم رؤية استراتيجية واضحة ترتكز على تعزيز الحضور الدائم بجانب المدارس والزوايا كشكل من أشكال التقدير المعنوي لرسالتها، مع العمل على تحفيز الإشعاع العلمي بدعم الندوات التي تؤطرها المجالس العلمية والمديريات الإقليمية للأوقاف. وهو مسار يربط بين عراقة التراث وواقعية التدبير، ويجعل من المدارس العتيقة (مثل مدرسة سيدي الحاج الحبيب التي خضعت لعملية تأهيل شاملة) قلاعاً حصينة تضم مساجد وحجرات دراسية ومرافق خدماتية حديثة، ما يعكس حرصاً موصولاً على صون الثوابت الدينية، ومحطة ثابتة في مسيرة المغرب لتعزيز قيم الاعتدال والوسطية.
الحقل الديني في إقليم اشتوكة آيت باها حاضر في الشأن العام بثلاثة أوجه متكاملة:
أولاً، حضور مؤسسي: المدارس العتيقة والزوايا ليست مواقع تراثية تُصان، بل مؤسسات تعليمية فاعلة تُنتج كفاءات وتُؤطّر أجيالاً.
ثانياً، حضور في النقاش العام: الندوات المنظَّمة في إطار المواسم الدينية تُدخل المؤسسة الدينية في حوار حول الهوية والمجتمع والتحديات الراهنة.
ثالثاً، حضور اجتماعي واقتصادي: المواسم الكبرى كلالة تعلات تجمع بين الروحي والتجاري والاجتماعي، وتدبيرها الناجح ينعكس مباشرة على الحياة المحلية.