حين يلتقي رؤساء المصالح والسلطات المحلية والنسيج الجمعوي حول طاولة واحدة، لا يكون الهدف توقيع محضر اجتماع، بل صناعة بوصلة جماعية تُوجه القرار التنموي نحو من يحتاجه فعلاً. هذا بالضبط ما جسّده تدخل عامل إقليم اشتوكة أيت باها محمد سالم الصبتي، حين دعا إلى “توظيف الذكاء الجماعي لتشخيص وإيجاد الحلول للإشكالات المطروحة”. دعوة بسيطة في صياغتها، لكنها تحمل قيمة مضافة استراتيجية تستحق التوقف عندها، لأنها تعيد تعريف الطريقة التي يُبنى بها القرار التنموي في الإقليم. فكيف يمكن لهذه الدعوة أن تتحول إلى محرك فعلي لتصميم مشاريع 2026 بالإقليم.
الذكاء الجماعي: من الفكرة إلى المنهج
اللافت في تدخل عامل الإقليم- رئيس اللجنة الإقليمية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية- هو الحديث عن “توظيف الذكاء الجماعي لتشخيص وإيجاد الحلول للإشكالات المطروحة”، وهو ما يعكس اليوم تحولاً في فلسفة التدخل التنموي: الانتقال من منطق “توزيع الدعم من الأعلى” إلى منطق “التشخيص التشاركي”، حيث يلتئم رؤساء المصالح القطاعية والسلطات المحلية وممثلو النسيج الجمعوي على طاولة واحدة لتحديد الاحتياجات الفعلية للساكنة.
والظاهر أن القيمة المضافة الحقيقية لهذا التوجه تكمن في كونه يضع المشكلة قبل الحل: فبدل استنساخ برامج جاهزة، يتم البحث عن الفجوات الحقيقية غير المغطاة، وهو ما عبّر عنه العامل بوضوح حين تحدث عن ضرورة “توسيع قاعدة الاستهداف لتشمل شرائح اجتماعية هشة جديدة التي لم تطلها البرامج السابقة”. بمعنى آخر، الذكاء الجماعي هنا ليس شعاراً تنظيمياً، بل أداة عملية لاكتشاف من بقي خارج دائرة الاستفادة، وتصحيح المسار بناءً على معرفة ميدانية جماعية لا فردية.
كما تُبرز هذه الدعوة إلى “توسيع قاعدة الاستهداف لتشمل شرائح اجتماعية هشة جديدة” حرصاً على تطوير آليات الاستهداف باستمرار، بما يعكس ديناميكية متجددة في تحسين مؤشرات التنمية الاجتماعية بمختلف مناطق الإقليم. وهذه الديناميكية هي بالضبط الثمرة المباشرة لتفعيل الذكاء الجماعي: فكلما تعددت زوايا النظر إلى المشكلة الواحدة، اتسعت دائرة الاستهداف وتحسنت دقتها.
ثلاثية متكاملة تعزز مسار التنمية البشرية
تكشف مخرجات الاجتماع عن تصميم متكامل لمشاريع سنة 2026، يقوم على ثلاثة محاور تعزز بعضها البعض، وكلها ثمرة مباشرة لهذا التشخيص الجماعي الذي دعا إليه العامل:
في محور العناية بالفئات الهشة: تأتي المساهمة في توسيع المركز الوطني للمعاقين بأكادير، إلى جانب اقتناء تجهيزات لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة وتكوين مربيات لحاضنات اشتوكن، لتؤكد استمرار الالتزام القوي تجاه هذه الفئة، وترسخ بنية اجتماعية داعمة ومستدامة.
في محور الإدماج الاقتصادي للشباب: يعكس دعم ريادة الأعمال في مجالات متنوعة تجمع بين الصناعة التقليدية والخدمات والتقنيات الرقمية والنشر والألعاب الإلكترونية، انفتاحاً مشهوداً له على قطاعات المستقبل، وهو ما يُحسب للإقليم في مواكبته لتحولات سوق الشغل الوطنية عبر منصة الشباب.
في محور الرأسمال البشري للأجيال الصاعدة: يتجلى انخراط فوري وملموس للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية في معالجة إشكالية الهدر المدرسي، لا كخطاب مؤجل بل كحزمة تدخلات جاهزة للتنفيذ خلال سنة 2026 وهو التوجه الذي حظي بأكبر قدر من التفصيل في الاجتماع، تتعدد المبادرات النوعية: قافلة الابتكار الرقمي لتلاميذ المناطق القروية، المخيمات التربوية الداعمة للتلاميذ، مشروع “Skills Up” بجماعة آيت اعميرة لتطوير المهارات الذاتية، إضافة إلى اقتناء 20 قسماً معيارياً ومشروع مدارس المبادرة الذي يشمل تجهيز قاعات متعددة الاستعمالات وقاعات معلوميات ومكتبات. هذه الحزمة المتكاملة تعكس رؤية شمولية لتأهيل الأجيال الصاعدة من مختلف الجوانب، وتؤكد أن التشخيص الجماعي حين يُحسن توظيفه، ينتج برامج بهذا القدر من الدقة والشمولية.
العدالة المجالية: التزام متجدد بالمناطق القروية والجبلية
ويبرز الحرص على العدالة المجالية بوضوح في تركيز التدخلات على المناطق الجبلية والنائية، سواء عبر الحملات التواصلية الموجهة للنسيج التعاوني بهذه المناطق، وعبر استهداف الأنشطة الاقتصادية المدرة للدخل لفائدة الشباب والنساء فيها خصوصاً. هذا التوجه يعكس التزاماً راسخاً بتعميم ثمار التنمية على كافة ربوع الإقليم، وتثمين مكوناته المجالية المتنوعة — وهو نتاج طبيعي لمقاربة تشاركية تُشرك من يعرف واقع هذه المناطق عن قرب في صياغة الحلول.
كما تجدر الإشارة إلى أن مصادقة اللجنة على تحيين بعض المشاريع المبرمجة سابقاً تندرج ضمن دينامية التقييم المستمر التي تنهجها اللجنة، بما يضمن توجيه الموارد نحو المشاريع الأكثر جدوى وتأثيراً إيجابياً على الساكنة، وهو ما يعكس أهمية الدعوة التي ركزت على التدبير والترشيد الأمثل للإمكانيات..
وبروح الانسجام مع توجيه الأولويات لتشخيص وضعية قطاع التعليم بالإقليم والخدمات الاجتماعية الداعمة للتمدرس بالوسط القروي، امتدادا لمخرجات اللجنة الإقليمية للتعليم، التي ركزت أيضا على اقتراح مجموعة من الاجراءات للحد من مختلف إشكالات الهدر المدرسي وتطوير منظومة هذه الخدمات، وتعزيز مساهمتها في تحسين مؤشرات التمدرس بمختلف جماعات الاقليم.
الذكاء الجماعي كقيمة مضافة دائمة
إن أهمية ما دعا إليه عامل إقليم اشتوكة أيت باها لا تكمن فقط في المشاريع التي أُقرت، بل في الأداة المنهجية التي أنتجتها: التشخيص الجماعي التشاركي. فحين تجتمع خبرات متعددة حول طاولة واحدة، تصبح البرامج أكثر التصاقاً بالواقع، وأكثر قدرة على الوصول إلى من يحتاجها فعلاً. هذا هو جوهر القيمة المضافة التي يحملها هذا التوجه، وهو ما يجعل من اجتماع هذا الخميس محطة مهمة للغاية تستحق المواكبة لتنزيل المخرجات النوعية، ليس فقط بما يتم الدعوة إلى إنجازه، بل بالطريقة التي يراد بها إنتاج هذا الإنجاز.