منذ تأسيسه، اختار إقليم اشتوكة أيت باها أن يجعل من “الشراكة نهجاً للتنمية” شعاراً وممارسة في آنٍ واحد. لم تكن كلمة “نهج” في هذا الشعار مجرد اختيار لغوي، بل إقراراً بأن الشراكة ليست أداةً تُستحضر عند الحاجة ثم تُطوى، بل طريقة في التفكير وفي البناء. واليوم، بعد أن أغلق الجيل الأول من هذا النهج ثغرات البنية التحتية الكبرى، يقف الإقليم أمام رهان من طبيعة مختلفة: منح الشراكة زخماً جديداً يُوجّهها نحو الورش الاجتماعي، ونحو فئات لم تصلها موجة البناء الأولى.
أولاً: الشراكة حين كانت تبني ما لا وجود له
المرحلة الأولى من نهج الشراكة بالإقليم كانت مهمتها واضحة: تدارك خصاص حاد في البنيات التحتية الأساسية. برنامج PNRR (البرنامج الوطني للطرق القروية) لفك العزلة الطرقية، وبرنامج PAGER (البرنامج المندمج لتزويد العالم القروي بالماء الشروب)، وبرنامج PERG (البرنامج الوطني للكهربة القروية الشاملة)، ثلاثتها انتشرت في الإقليم عبر منطق موحد: الجماعات الترابية والجمعيات التنموية والمصالح القطاعية تُشغّل الآلة على الأرض، والسلطات الإقليمية تؤطر وتنسق. وكانت النتيجة طرقاً مهيكلة شقّت المنطقة الجبلية، وشبكات كهربائية أضاءت بيوتاً كانت تستعين بالشمع، ومشاريع ربط مائي أنهت مسيرات يومية شاقة نحو الآبار والمطافي.
ثم امتدت هذه الشراكة لتطال الخصاص في المرافق الاجتماعية، لا سيما قطاعَي التعليم والصحة، حيث كان للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية دور محوري في تجميع الشركاء وتنظيم الجهود، فأُنجزت مرافق ومؤسسات غيّرت من واقع الخدمات في جماعات كانت تفتقر إلى أبسط مقوّمات التعليم والرعاية.
ما بُني في هذه المرحلة يُرى ويُلمس. لكن النجاح ذاته أفرز سؤالاً: من لم تصله هذه الموجة؟
ثانياً: الجيل الجديد يُسمّي من يستهدف
النمو الفلاحي المتسارع في الدائرة السهلية خلق كتلة بشرية بقيت خارج مسار التنمية التقليدي. عاملات زراعيات تغادر فجراً وتعود ليلاً، وأطفالهن بلا رعاية نهاراً. شباب تسرّب من المدرسة مبكراً ولم يجد طريقاً إلى التكوين ولا إلى الشغل. دواوير تمتلك الطريق والكهرباء والماء، لكنها تفتقر إلى ما يحمي شبابها من الإنحراف. هذا هو الخصاص الجديد، وهو أصعب قياساً وأبطأ في الظهور، ما يجعل معالجته أشد تعقيداً من مدّ أنبوب أو شقّ طريق.
الإجابة جاءت من داخل نفس المنطق: شراكة، لكن موجّهة هذه المرة نحو الإنسان ضمن شراكة للتخفيف من مظاهر الهشاشة الاجتماعية.
أبناء العاملات الزراعيات كانوا أول من استهدفه هذا التحول، عبر مشروع “حاضنات اشتوكن” الذي يسعى إلى تعميم خارطة الحاضنات في المناطق السهلية ذات الكثافة الفلاحية. القيمة المضافة هنا مزدوجة: رعاية الطفل تحرر الأم لتشتغل بانتظام، واستقرار الأم يعني مساراً تعليمياً أكثر اتزاناً لأطفالها. إجابة واحدة على سؤالين اجتماعيين متشابكين.
فئة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل تمثل التحدي الأكثر إلحاحاً. هؤلاء لا تصلهم البنية وحدها، ولا تُدمجهم المرافق وحدها. ما يحتاجونه هو مسارات قريبة من بيئتهم، وهو ما تروم تحقيقه ورشات التدرج المهني على مستوى مختلف جماعات الإقليم بشراكة مع الجمعيات والقطاع الوصي، لتكوين الشباب في محيطهم الجغرافي دون اقتلاعهم من بيئاتهم.
مؤسسات الفرصة الثانية تستهدف التلاميذ الذين غادروا مقاعد الدراسة قبل الأوان، قبل أن يتحوّل غيابهم إلى واقع دائم يصعب تصحيحه. استعادة هؤلاء تتطلب مؤسسات مرنة وقريبة، وشراكة تجمع المدرسة بالجمعية بالسلطة المحلية.
التأطير الرياضي يأخذ بدوره بُعداً مختلفاً عن المعتاد. الرهان ليس على بناء ملاعب، بل على تأطير بشري منتظم في الدواوير، مرتبط بجمعيات محلية ومنظومة دعم مؤسسي واضحة. الرياضة هنا ليست نشاطاً ترفيهياً يُملأ به الفراغ، بل مساراً للإدماج الاجتماعي ينتج انتماءً وضبطاً ذاتياً لدى شباب يعيش في هشاشة حقيقية.
والظاهر أن النهج يتجدد ولا يتبدل، فالجيل الأول من الشراكة عالج غياباً مادياً. الجيل الجديد يعالج غياباً اجتماعياً أعمق. والفارق الجوهري أن نتائج هذا الجيل لا تُرى في اليوم التالي للتدشين، بل تتراكم بثبات في مسار شاب استعاد ثقته، وطفل أكمل تعليمه، وعاملة ذهبت إلى عملها بلا قلق.
ما يمنح هذا الرهان جديته هو أن الإقليم لا يواجه الجيل الجديد بأدوات مستوردة، بل بنفس المنطق الذي اختبره على مدى عقود: شركاء محددون، مسؤوليات موزعة، واستهداف دقيق لمن بقي خارج الإطار. الشعار لم يتغير، لكن المعنى يتعمق.