حفلُ الاستقبال الذي خصصه عامل الإقليم مؤخراً للتلاميذ المتفوقين في امتحانات البكالوريا بمختلف التخصصات، بقدر ما يُشكل لحظة تكريم للتميز، فهو محطة لاستحضار مختلف المجهودات المبذولة للنهوض بالمنظومة التعليمية بالإقليم.*
هذا الحدث التكريمي، يعكس في عمقه مدى انخراط مختلف المتدخلين في الرفع من جودة العرض المدرسي، وتحسين شروط الولوج إلى المؤسسات التعليمية بمختلف جماعات الإقليم؛ حيث تتحول الأرقام والمؤشرات التربوية في إقليم اشتوكة أيت باها إلى قصة نجاح ميدانية ملموسة على المستوى الجهوي.
خلف الطفرة النوعية في نسب النجاح وتصدر منصات التميز، تقف منظومة دعم متكاملة فككت معضلات الهدر المدرسي في عمق الدواوير عبر ثلاثة مرتكزات: أسطول نقل مدرسي يطوع الجغرافيا الصعبة، شبكة رعاية اجتماعية تحتضن الناشئة في “دور الطالب والطالبة”، وبرامج مواكبة وتوجيه مهني ترسم معالم المستقبل.
من التشخيص إلى التمكين: دينامية التعليم الأولي في الدواوير
حينما انطلقت الدينامية التعليمية الجديدة بإقليم اشتوكة أيت باها من تشخيص ميداني صريح قاده عامل الإقليم السيد محمد سالم الصبتي، والذي وضع يده على مكامن الخلل المتمثلة في غياب أقسام التعليم الأولي ببعض الدواوير النائية، فإن الوعي بضرورة محو الفوارق بين أطفال القرى والحواضر ظل حاضراً لترجمته سريعاً من خلال “المنتدى الإقليمي للتعليم الأولي” بالمركب الثقافي سعيد اشتوك، حيث تحول اللقاء إلى قوة اقتراحية جمعت المنتخبين والجمعيات والأطر التربوية.
النتيجة الميدانية لم تقف عند حدود الشعارات؛ فمنذ إطلاق المرحلة الثالثة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية (2019-2025)، وهي تولي اهتماماً خاصاً بدعم تمدرس الفتاة القروية ومكافحة الهدر المدرسي. وقد تجلى هذا الالتزام عبر رصد 47.6 مليون درهم لدعم قطاع التعليم الأولي، أُنجزت في إطارها 110 وحدة تعليمية بمختلف جماعات الإقليم، استقطبت 12,573 مستفيداً، من بينهم 6,179 من الإناث (ما يناهز 49% من مجموع المستفيدين)، وهو مؤشر دال على التزام الإقليم بتكافؤ الفرص بين الجنسين منذ أولى مراحل التعليم، عبر استهداف 14 جماعة ترابية لضمان تعميم التغطية وإدماج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
المبادرة الوطنية للتنمية البشرية: ركيزة النقل المدرسي ومؤسسات الرعاية
تكاملت الرؤية الميدانية عبر تفعيل آليات الدعم الاجتماعي وتوسيع البنيات التحتية التي تحارب الهدر المدرسي في العمق، وهنا برزت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كرافعة مالية وتنظيمية قوية؛ فخلال مرحلتها الثالثة (2019-2025)، رصدت 178 مليون درهم لتعزيز الرأسمال البشري للأجيال الصاعدة بالإقليم، وُزعت بين مشاريع دعم التعليم الأولي، والتمدرس، والدعم التربوي، وصحة الأم والطفل.
وعلى صعيد النقل المدرسي تحديداً، رُصد له 40.2 مليون درهم أسهمت في اقتناء 111 سيارة وإدخالها الخدمة، حتى بات هذا الأسطول يستفيد منه اليوم أزيد من 20,000 تلميذ وتلميذة، ما أسهم في إزالة العوائق الجغرافية والاقتصادية التي كانت تحول دون التحاق أبناء الدواوير بمؤسساتهم.
وعلى الصعيد ذاته، أثمر الالتزام بدعم تمدرس الفتاة القروية في إحداث وتأهيل مجموعة من دور الطالبة بالإقليم، إذ جرى رصد أزيد من 50 مليون درهم لإنجاز 33 مشروعاً يخدم هذا الغرض، إضافة إلى 8 داخليات بمبلغ يفوق 13 مليون درهم. كما واكب هذا الدعم البنيوي استثمار مباشر في الدعم التربوي والصحة المدرسية برصيد فاق 1.7 مليون درهم، وتخصيص أزيد من 10.4 مليون درهم لتعزيز العرض الاجتماعي عبر تسيير الداخليات ودور الطالب والطالبة (ومنها دار الطالبة بإمي مقورن التي تجاوزت مستفيداتها 1,300 فتاة منذ إحداثها سنة 2001). وتُوِّج هذا المسار بتنظيم “الملتقى الإقليمي للتوجيه المدرسي والجامعي والمهني” ببيوكرى، لمنح تلاميذ البكالوريا بوصلة علمية واضحة لبناء مشاريعهم الشخصية بناءً على متطلبات سوق الشغل.
قطاف التميز: اشتوكة في ريادة المشهد التربوي جهوياً
هذه المنظومة المترابطة أثمرت قفزة نوعية في مؤشرات النجاح والتميز على المستوى الجهوي بسوس ماسة. فبحسب البلاغ الرسمي الصادر عن المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة باشتوكة أيت باها، بلغ عدد المترشحين المتمدرسين للامتحان الوطني لنيل شهادة البكالوريا الدورة العادية يونيو 2026 بلغ ما مجموعه 5311 مترشحاً(ة) منهم ما مجموعه 2953 إناث، وعدد المترشحين الحاضرين منهم بلغ ما مجموعه 5087 مترشحاً(ة) منهم ما مجموعه 2866 إناث.
أما مجموع الناجحين(ات) فقد بلغ 3098، بنسبة مئوية إجمالية تُقدر بـ 60,90% وعدد الإناث منهم 1893، بنسبة مئوية تُقدر بـ 66,05%.
جدير بالذكر أن أعلى معدل على المستوى الإقليمي بلغ 19,07 حصلت عليه التلميذة إيدار خولة في مسلك علوم فيزيائية – خيار فرنسية والتي تتابع دراستها بـ ثانوية ابن زهر التأهيلية ببلفاع؛ لتتحول التفاتة حفل الاستقبال العاملي للمتفوقين إلى إشادة صريحة بالتفاني الجبار للأطقم التربوية والإدارية، وترسيخ ثقافة التفوق كخيار استراتيجي.

في هندسة النجاح بالإقليم..
يكشف التحليل النسقي للمسار التنموي باشتوكة أيت باها أن التميز الدراسي المحقق ليس طفرة عابرة، بل هو نتاج مباشر لالتقائية محددين بنيويين:
أولهما : الانتقال من العمل المكتبي إلى التشخيص الميداني الصارم الذي يقوده المسؤول الأول عن الإقليم لتطويق الهدر المدرسي من منبعه.
ثانيهما: مأسسة الشراكة الذكية والاستراتيجية مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والتي راكمت منذ انطلاقتها عام 2005 حصيلة ثقيلة تمثلت في 171 مشروعاً خاصاً بقطاع التعليم، بتكلفة إجمالية تفوق 130 مليون درهم، قبل أن تتدعم وتتضاعف هذه الدينامية خلال المرحلة الثالثة برصد 178 مليون درهم كغلاف مالي إجمالي موجه لتعزيز الرأسمال البشري للأجيال الصاعدة.
إن ربط السلطة الإقليمية المباشر بين جودة المسار التعليمي في أبعد دوار وبين عتبات التميز في البكالوريا، يعيد صياغة مفهوم الاستثمار الاجتماعي؛ ليصبح التعليم في اشتوكة أيت باها هو المحرك الأساسي لتكافؤ الفرص، والنموذج الأكثر نضجاً لترجمة الفلسفة التنموية على أرض الواقع.