تحليل إخباري: العامل محمد سالم الصبتي يطلق مشاريع مهيكلة بأزيد من 250 مليون درهم.. تنمية تبدأ من السهل وتكتمل في الجبل

مصطفى وغزيف

ليست كل المشاريع التنموية تقاس بحجم اعتماداتها المالية فقط، بل بقدرتها على رسم خريطة متوازنة للتنمية وربط مكوناتها في رؤية واحدة. وهذا ما تعكسه الحزمة الجديدة من المشاريع التي أشرف عامل إقليم اشتوكة أيت باها، محمد سالم الصبتي، على إعطاء انطلاقة أشغالها وتدشينها بمناسبة تخليد الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، بغلاف مالي إجمالي يفوق 250 مليون درهم. هذا الرقم لا يعكس فقط حجم الاستثمار العمومي الموجه للإقليم، بل يترجم رؤية تنموية مندمجة وزعت هذا الغلاف على ثلاثة محاور متكاملة.

فالمنطقة السهلية، التي تشهد دينامية عمرانية واقتصادية متسارعة، حظيت بمشاريع لتقوية الشبكة الطرقية وتحسين السلامة والانسيابية المرورية، فيما وُجِّه جزء هام من الاستثمارات نحو المنطقة الجبلية لمعالجة أحد أكثر التحديات إلحاحا، وهو ضمان الأمن المائي عبر مشروع مهيكل لتزويد الساكنة بالماء الشروب انطلاقا من محطة تحلية مياه البحر بالدويرة. وبين السهل والجبل، تبرز جماعة أيت باها كنقطة التقاء لهذه الرؤية، من خلال مشاريع تجمع بين تحسين الولوج إلى الفضاءات السياحية وتأهيل الرأسمال البشري عبر مركز للتكوين في فنون الصناعة التقليدية، بما يجعل التنمية سلسلة مترابطة تبدأ بالطريق، وتتقوى بالماء، وتكتمل بخلق فرص الشغل.

وبذلك، فإن هذه الصورة تكتمل بمؤشرات على استمرار دينامية تنموية يقودها الإقليم بمنطق المشاريع المهيكلة، التي تراهن على التكامل بين المجالات الترابية، وتستند إلى الشراكة بين مختلف المتدخلين، بما يعزز مكانة اشتوكة أيت باها كقطب صاعد للتنمية والاستثمار بجهة سوس ماسة.

المنطقة السهلية.. توسعة الشريان الطرقي لمواكبة الزحف العمراني

المنطقة السهلية بإقليم اشتوكة أيت باها تشهد توسعا عمرانيا متسارعا، وهو ما يفسر تركيز جانب مهم من هذا الاستثمار على تقوية العرض الطرقي بهذه المنطقة. فقد بلغت الاستثمارات المخصصة للشبكة الطرقية بالمنطقة السهلية نحو 90 مليون درهم، موزعة كالتالي:

مشروع تقوية الطريق الوطنية رقم 1 بين تين منصور وبلفاع، على طول 8.8 كلم، بتكلفة 53.4 مليون درهم، ممول من طرف وزارة التجهيز والماء. ويهدف هذا المشروع إلى تأهيل الطريق الوطنية رقم 1 على طول هذا المقطع، وتحسين مستوى الخدمة المقدمة لمستعمليها، والرفع من مستوى السلامة الطرقية، باعتباره شريانا يربط شمال المملكة بجنوبها ويعرف حركية كثيفة، وتحسين الجاذبية الاقتصادية للإقليم.

مشروعا تهيئة مدارتين بجماعة سيدي بيبي: الأولى بمركز احشاش عند النقطة الكيلومترية 882+160، والثانية بمركز درايد عند النقطة الكيلومترية 887+160، بتكلفة 3 ملايين درهم لكل مشروع، أي 6 ملايين درهم إجمالا، ممولين من وزارة التجهيز والماء، بمدة إنجاز 4 أشهر لكل مشروع. وتستهدف هذه المدارات تحسين السلامة الطرقية والحد من حوادث السير، وتنظيم حركة المرور وضمان انسيابيتها، وتقليص مدة الانتظار عند التقاطعات، وتسهيل تدفق الشاحنات والمركبات الثقيلة.

مشروع صيانة الطرق غير المصنفة الرابطة بين الطريق الوطنية رقم 1 ودواوير امجاض وتين القايد والبوبيات وقصبة الجراد وكوحايز، وبناء طريق غير مصنفة لمدخل دوار تانلا بجماعة انشادن، بكلفة إجمالية 8.08 مليون درهم، تنفذها المديرية الإقليمية للتجهيز والنقل واللوجستيك لاشتوكة انزكان، بمدة إنجاز 6 أشهر وبتاريخ بداية حدد في 24 يوليوز 2026. ويروم هذا المشروع تقليص الفوارق الاجتماعية والترابية بالوسط القروي وتحسين طرق فك العزلة والاستجابة لانتظارات الساكنة.

مشاريع المنشآت الفنية على مستوى الطريق الجهوية 114 والطريق الإقليمية 1011، بكلفة إجمالية 22.6 مليون درهم، تشمل 3 منشآت فنية بكلفة 16.2 مليون درهم بين النقط الكيلومترية 59+620 و65+200 و66+730، ومنشأة فنية أخرى بكلفة 6.41 مليون درهم بين النقطتين 89+000 و89+400، بتمويل من وزارة التجهيز والماء. وتهدف هذه المنشآت إلى حذف نقط الانقطاع وضمان استمرارية حركة السير، والحد من مخاطر الفيضانات وتحسين تصريف مياه الأمطار، وفك العزلة عن الساكنة وتسهيل الولوج إلى الخدمات الأساسية.

هذا الحجم من الاستثمار يترجم وعيا بحاجة جماعة انشادن بالخصوص، بحكم كثافتها السكانية ووضعها الجغرافي كمربع اقتصادي نوعي، إلى مزيد من توسيع العرض الطرقي لمواكبة النمو العمراني والاقتصادي الذي تعرفه.

المنطقة الجبلية.. الماء رهان وجودي قبل أن يكون مشروعا تقنيا

إذا كانت المنطقة السهلية تراهن على الطرق، فإن المنطقة الجبلية باشتوكة ايت باها وضعت الماء في صدارة أولوياتها، باعتبار العطش وشح الموارد المائية أول عامل طارد للسكان من هذه المناطق. وفي هذا السياق أعطى عامل الإقليم انطلاقة المشروع المهيكل المتعلق بتزويد جماعات المنطقة الجبلية بالماء الشروب انطلاقا من محطة تحلية مياه البحر بالدويرة، بغلاف مالي قدره 140 مليون درهم، ممول من المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، قطاع الماء، في إطار برنامج التعاون المغربي الألماني KFW.

ويشمل هذا المشروع إنجاز تجهيزات مائية وشبكة ربط تمتد على طول 40 كلم وعدد من الخزانات، وسيمكن من تزويد ساكنة تتجاوز 40 ألف نسمة بالماء الشروب بالكمية الكافية والجودة المطلوبة، متجاوزا الخصاص المائي الذي فرضته توالي مواسم الجفاف ومحدودية المخزون الاحتياطي. وهو بمثابة شريان مائي يربط السهل بالجبل، بعد أن كان لسنوات طويلة مجرد مشروع منتظر، لينتقل اليوم من مرحلة الحلم إلى مرحلة التنزيل الفعلي وتعبئة الموارد المالية مع مختلف المتدخلين.

بالتوازي، تم تقديم مشروع المحطة المتنقلة لتصفية المياه الآجاج بجماعة تاركانتوشكا، بكلفة 8 ملايين درهم، ممول من وزارة الداخلية، بهدف توفير الماء الشروب لساكنة مركز الجماعة والدواوير المجاورة وتجاوز النقص الحاد في الموارد المائية بهذه المناطق الجبلية الوعرة.

بذلك يصل إجمالي الاستثمار في الشق المائي بالمنطقة الجبلية إلى 148 مليون درهم، وهو الرقم الأكبر ضمن هذه الحزمة، ما يعكس حجم الرهان الذي تعلقه السلطات الإقليمية على حل معضلة الماء الشروب كشرط لاستقرار الساكنة وتحسين شروط العيش بمناطقها.

أيت باها.. طريق نحو المنتزه ومركز يصنع مستقبل الحرفيين

بجماعة أيت باها، التي تحتضن المنتزه السياحي الغابوي، أعطى العامل والوفد المرافق له انطلاقة أشغال بناء الطريق الرابطة بين الطريق الجهوية 105 والمنتزه، على طول 708 متر، بتمويل من جهة سوس ماسة وبكلفة 5 ملايين درهم، بهدف تحسين الولوج إلى المنتزه الغابوي وتهيئة فضاءات الاستقبال، والرفع من مؤشرات الشبكة الطرقية بايت باها، والتقليص من الفوارق المجالية والاجتماعية بالعالم القروي.

وبنفس الجماعة تم تدشين مركز التأهيل المهني في فنون الصناعة التقليدية، بالحي الحرفي، على مساحة 1348 مترا مربعا وبتكلفة إجمالية 8.4 مليون درهم شملت البناء والتجهيز، بتمويل في إطار شراكة مؤسساتية متعددة الأطراف، من بينها دعم تقني موجه للتكوين المهني من البرنامج الأمريكي بقيمة 3.5 مليون درهم.

ويفتح المركز أبوابه مع الموسم التكويني 2026/2027، ويقدم تكوينات في تخصصات الفصالة والخياطة والجلد والطرز، موجهة لفئة عمرية بين 15 و30 سنة، بمسالك تتوج بشهادة التدرج المهني أو دبلوم التخصص المهني أو دبلوم التأهيل المهني. ويهدف المركز إلى ضمان التكوين المستمر للحرفيين والصناع التقليديين، وتشجيع ثقافة المقاولة والمبادرة، واكتساب تقنيات التسويق والتدبير، والمحافظة على الحرف الأصيلة بالمنطقة الجبلية وحمايتها من الاندثار، مع فتح آفاق التشغيل الذاتي عبر إنشاء ورشات أو مقاولات صغيرة أو تعاونيات حرفية للخريجين.

حين يكتمل المثلث التنموي..

هذه المشاريع لا تقرأ بشكل منفصل، بل كحلقات مترابطة ضمن رؤية تنموية واحدة. فالطرق بالمنطقة السهلية تفتح الأسواق وتربط الجماعات بمحيطها الاقتصادي وتسهل نقل المنتوجات، والماء بالمنطقة الجبلية يثبت الساكنة ويحفظ الحد الأدنى من الشروط المعيشية اللازمة لاستمرار الحرف والأنشطة، بينما تجمع جماعة أيت باها بين تحسين الولوج الطرقي إلى فضائها السياحي وبين مركز يحول هذا الاستقرار المحلي إلى فرص دخل واشتغال تحد من وطأة هجرة الشباب نحو المدن. بعبارة أخرى، الطريق ينقل، والماء يثبت، والحرفة تشغل، وهي ثلاثية لا تكتمل قيمتها المضافة إلا بتضافرها معا.

الحصيلة المالية: من أين يتشكل رقم أزيد من 250 مليون درهم؟

بالإضافة إلى المحاور الثلاثة، شهدت المناسبة أيضا تسليم دفعة من حافلات النقل الاجتماعي لفائدة الأشخاص في وضعية هشاشة، بتمويل من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بكلفة 1.05 مليون درهم.

وبجمع كلفة المشاريع المعلن عنها: الشبكة الطرقية بالمنطقة السهلية بنحو 90 مليون درهم، والأمن المائي بالمنطقة الجبلية بـ 148 مليون درهم، ومشاريع جماعة أيت باها (طريق المنتزه الغابوي ومركز التأهيل المهني) بـ 13.4 مليون درهم، والنقل الاجتماعي بـ 1.05 مليون درهم، يتأكد الرقم الإجمالي أزيد من 250 مليون درهم، توجه لتعزيز العرض الطرقي وترسيخ الأمن المائي والنهوض بالقطاعات الاجتماعية والاقتصادية بإقليم اشتوكة أيت باها.

استشراف الآفاق: ما بعد الأرقام

وانطلاقا من مختلف الأرقام والمؤشرات التي تم استعراضها، فإن هذه المحفظة التنموية الجديدة بالإقليم تحتاج إلى استشراف آفاقها المستقبلية، من خلال مواصلة معالجة الإكراهات التي أصبحت تطرح نفسها كتحديات حقيقية أمام الفاعل التنموي، في ظل الطفرة الكبيرة التي يعرفها الإقليم على مستوى النمو الديموغرافي في عديد من الجماعات، وإسقاطات ذلك على تدبير المجال الترابي في مختلف مكوناته.

وهكذا، فإن المحافظة على هذه المكتسبات تقوم، في جزء منها، على مواصلة المخططات التي أطلقها الإقليم في مجال الولوج إلى البنيات الطرقية، وضمان تأمين حاجيات الساكنة المحلية من الماء الشروب، ومواجهة التحديات المتزايدة المرتبطة بظاهرة الإجهاد المائي وتوالي مواسم الجفاف، وتراجع المخزون المائي الاستراتيجي في مختلف المنظومات، وهذا ما يتطلب مواكبة مستمرة لتغيرات الظرفية، مع تسريع استكمال عدد من المشاريع المحورية لربط جماعات المنطقة السهلية بالماء الشروب، انطلاقا من محطة تحلية مياه البحر، لتلبية حاجيات ساكنة يحتضنها مربع جغرافي نابض وتتجاوز 300 ألف نسمة من هذه المادة الحيوية.

مشاريع اليوم التي ميزت تخليد الذكرى 27 لعيد العرش بالإقليم هي من تجليات السرعة الثانية، التي أطلقتها السلطات الإقليمية، من خلال عديد من المحطات للمحافظة على الزخم التنموي الذي راكمه الإقليم، وترسيخ صورته كإقليم جذاب يوفر فرصا حقيقية للاستثمار والشغل والعيش الكريم بمختلف مناطقه، وهي مقاربة يبقى كل المتدخلين المعنيين مدعوون للانخراط فيها من خلال الترافع وتعبئة كل الموارد المالية لتنزيل هذه المحفظة التنموية الهامة بالارتكاز على منهجية الشراكة كأسلوب لتنفيذ مختلف السياسات العمومية بالإقليم.


آخر المستجدات
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.