كسائر المغاربة والعرب، وبقية العالم، تتبعت باهتمام وشغف كبيرين مجريات الحدث المأساوي الذي كان بطله الطفل الشهيد ريان أورام. فاستوقفتني، كما استوقفت غيري، مجموعة من الأسئلة المُحيِّرة، حول الحدث وتداعياته. وحاولت إيجاد تفسيرات واقعية لما وقع. فلم أهتد إلى تفسير مادي وواقعي يرتب الأسباب على المسببات، ويريح العقل المادي إلى نتائج علمية معقولة لا تحوجنا إلى تفسيرات غيبية وماورائية. فلم أهتد لشيء من هذا بالمرة، والمطلق.
طفل مغمور، في أسرة مغمورة، في بلدة مغمورة، يسقط، عرضا، في جب عميق، ويهتز، لسقوطه، الضمير العالمي. وتتحرك الدولة المغربية بكل ثقلها لتنتشله من هذا الجب، في عملية، قيل: هي الأضخم من نوعها التي عرفها المغرب، وربما البلاد العربية والإسلامية، وحتى الغربية عبر تاريخ عمليات الغوث النوعي التي تستهدف الطفولة. حتى قيل بأمريكا، أضع خطين تحت أمريكا، : “المغرب يزيل جبلا من أجل طفل”. وهذه حقيقة وليست مجازا.
قد نتفهم هذا الحراك النوعي والاستثنائي لآلة الغوث المغربية، لو كان هذا الطفل من صلب العوائل النافذة، أو العوائل المخملية، فيكون مقدار التحرك بقدر مكانة ووجاهة الطفل. ولكن أن تنزل الدولة بكل هذا الثقل من أجل إنقاذ طفل فقير، مغمور، من المغرب المنسي، فهذا مما لم نعتد أن نسمعه أو نعيشه بين ظهراني هذا البلد كما في غيرها من البلدان التي تعاني قيها الطفولة، الجوع، والحرب، والإهمال.
ومع كل هذا الهيْل والهيْلمان الإنقاذي الذي قادته الدولة المغربية، هناك التعاطف العالمي الذي لم يسبق له نظير، في حالة سابقة، مع مأساة إنسان. إذ توحَّد العالم؛ عربه، وعجمه.. مسلموه، ونصاراه، ويهوده، ووثنيوه.. علماؤه ومثقفوه.. كباره وصغاره .. نساؤه ورجاله.. إعلاميوه وفنانوه ورياضيوه،… الكل هبَّ في نفس واحدة، يتعاطف، ويبكي، ويدعو.
لا بد أن في الأمر سرا مخفيا.. !.
قالوا: هي البراءة التي حركت العالم، وأيقظت الإنسانية التي ماتت فينا، وجمعت قلوب الشعوب التي فرقت بينها الحسابات الصغيرة لصناع القرار السياسي؛ الدولي والإقليمي، ووو…
ونحن نقول: أليست طفولة فلسطين، وسوريا، والعراق، وأفغانستان،… عناوين البراءة في أجلى صورها. فلِمَ لَمْ تحرك الضمير العالمي بنفس الزخم، والاهتمام، والهبة؟ !!. ألم يشهد العالم على مجازر العدو الصهيوني، والمجرم السوري، في حق الطفولة؟ . ألا يشهد العالم اليوم سقوط العشرات من الأطفال الأبرياء بمخيمات العار في الحدود السورية، ليس بسبب الحرب، ولكن بسبب الجوع، والبرد؟ !!. لِمَاذا لَمْ يهتز الضمير العالمي، بنفس القدر والزخم الذي اهتزه بسبب مأساة الشهيد البطل ريان أورام؟! . أليست هذه براءة؟؟.
لا بد أن في الأمر سرا مخفيا.. !.
لقد قلَّبت الحدث من جوانبه المختلفة، فلم أجد للأمر تفسيرا سوى أن مشيئة الله النافذة والحكيمة، هي التي كانت خلف هذا التآلف الفريد، وغير المسبوق. والتي لم تستهدف أفكارا، ولا عقولا، ولا أجسادا تربط بينها، فتنضح بهذا الهيام الجُوَاني الفريد وغير المسبوق لمأساة هذا الطفل المغمور. وإنما استهدفت القلوب، فوحدتها، وجمعت شغافها في بوثقة حب فريد ذوَّب، طيلة هذه المأساة، الكثير من الإحن، والشحناء، داخل البيت الواحد، والحي الواحد، والبلد الواحد، كما بين البلدان التي فرقت بينها حسابات الطين والماء.
هي القلوب إذن، من توحدت، وتآلفت، وتماهت حَدَّ التآخي العضوي، فنضحت عن هذه الهزة العالمية التي قدمت أجلى وأحلى صور التلاحم الروحي، والإنساني.
هي القلوب التي انفرد الله تعالى بتأليفها ولم يدع ذلك لأحد من البشر: “لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”(الأنفال . الآية63).
هذا التأليف صدر من الله تعالى، عبر قضية هذا الطفل، دون سواه، ليبعث رسالة إلى الأمة في هذه الظرفية العصيبة، التي تكالب عليها القاصي والداني، حتى تعيد النظر في حقيقة وجودها، كأمة ذات رسالة للعالمين؛ رسالة المحبة، والتآخي، والوحدة. رسالة تخبرها أنه قد حان الوقت لتنهض من تبعيتها، وخضوعها، وفرقتها، وتعيد النظر في المشترك الذي يجمعها، وهو أكثر وأعظم، مما يفرقها، ويُذهب ريحها.
هي رسالة من طفل لم يكن سوى جنديا من جنود الله الذين ينصر بهم من شاء، ومتى شاء، وكيف شاء سبحانه.. جنودا ليسوا ملائكة، ولا رياحا، ولا سيولا، ولا زلازل، ولا قوى خارجية، ولا بحارا هائجة، ولا ما يكبر في نفوس الناس؛ وإنما جنودا من ضعاف خلقه يُثْبِت بهم للناس أنهم ضعاف.
فما لم يستطِعْه الساسة والخطباء، والعلماء، وآلاف الخطب، والكتب، والمناشير، والتنظيمات، والأحزاب، والدول، والمنتظمات الدولية،… استطاعه طفل صغير، ضعيف، هزيل، مِهوان، مغمور،.. وما لم يستطعه كل هؤلاء خلال سنين وعقود، استطاعه هذا الأيقون خلال خمسة أيام فقط، من غير قصد منه، ولا علم، ولا إعداد، ولا ترتيب؛ ولكن بتوظيف مُعْجِز من الله، عزل وجل، الذي يختار أضعف خلقه لأعظم رسائله.
إنها مشيئة الله التي تصرَّفت، فاختارت هذا الطفل المغربي دون سواه، كما اختارت واصْطَفَت، قبله، عبر تاريخ البشرية، أشخاصا عاديين للاضطلاع بمهام التأليف، والتوحيد، ورأب الصدع، وتنبيه الغافلين .. إنها رسالته التي وصلت العالم، عبر هذا الطفل الصغير، من أقصر الطرق، وعبر أبسط الأسباب .. !
إنها رسالة الشهيد الحي ريان أورام إلى البشرية جمعاء والتي مفادها: لا تنتظروا أن يأتي خلاصكم من مشاغباتكم الفكرانية والسياسوية المنافقة حول السلام، والأمن، والحرية، والديموقراطية، والتغيير،.. إنما الخلاص والتغيير الحقيقييْن سيأتيانكم يوم تصفو دواخلكم، و تتوحد أرواحكم، وتنبعث الإنسانية، التي ماتت بداخلكم، فتتفشى بينكم.. آنئذ، فقط، سيُغير الله ما بكم (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد:11] .. صدق الله العظيم
دمتم على وطن.. !!
التعليقات مغلقة.