قراءة في ديوان الشاعرة مجيدة الفلاحي ” هكذا حدثتني جدتي ”
” هكذا حدثتتي جدتي ” هو العنوان الذي اختارته الشاعرة مجيدة الفلاحي لديوانها الشعري الحديث الصادر عن دار بصمة لصناعة الكتاب تصفيفا و تصميما و عن دار بلال طباعة سنة 2023، الديوان جاء في مائة صفحة و زاد ثلاثا إلى جانب الإهداء و الفهرس ، يضم بين جغرافيته سهولا ممتدة من مروج الشعر ، عشرين نصا.

لقد سارت مجيدة الفلاحي على نهج الشعراء!الذين يختارون عناوين أعمالهم الإبداعية من عنوان قصيدة داخل النص ، و العنوان هو لقصيدة بصفحة 86، سنعود إليها لاحقا .
أما الغلاف فيضم بعض العناصر السيميائية التي تتجانس و العنوان و هي صورة العكاز ، تلك الوسيلة التي تساعد الإنسان على التنقل في حال ضعف الحركة أو العجز .
إن المتأمل لهذا العمل الإبداعي سيكتشف أن مجيدة تملك قدرة على صياغة لغة سهلة ممتنعة ، لغة كشفت بها حالات نفسية / عاطفية / وجدانية / اجتماعية أحيانا ، مفاتيح قراءتها تمنحها لكل مفتون بالشعر فيسافر بلا تأشيرة مجازية او استعارية تربك فهمه للنص ، إن نصوص شاعرتنا تحمل رؤى رحبة و آفاقا شاهقة في التعبير عن الذات ، حتى أننا نشتم على مستوى المضمون رحة الطل و الندى و النسيم ، و كأنها تتلمذت على يد رواد الرابطة القلمية أو جماعة أبولو حيث التركيز على الوجدان و الذات الكاتبة ، فمنذ الإطلالة الأولى لهذا المنجز الأدبي ، يعانقك معجمان دلاليان و هما :
معجم الطبيعة : الغيم ، قوس قزح ، الصباح ، أشجار ، أنهار ، شطآن ، النورس ، قمر ، سحب ، ضباب، شمس ، بحار ، شواطئ، ليل ، نجوم ، أغصان ، رياح ،ماء ، سماء، نور ، تراب ، برتقال ، قمح ، غيث ، عصافير ، فراشات ، نخل ، أرض ، زهر ………
معجم الوجدان / العاطفة : يغازلني ،نبضات ،خافقي ،الشوق ، يعانقني ،يراقصني ،أشجاني ، عشقي ، تحضن ،عطر ،شغفي ،روحي ، الحنين ،الهمس ،الفرح ،أوجاع ، هموم ،خيبات ، انكسارات ،غياب ، هوى ،خوف ، مشاعر ،إحساس ،حزن ، صمت ، قلق …..
من هنا يتضح ذاك المزج الدال على رومانتيكية الشاعرة و انبهارها بمكونات الطبيعة تارة و بوحها تارة أخرى بوجدانها الفياض و هي تذكرنا بتعريف للشعرعند عبد الرحمان شكري لما قال :
ألا يا طائر الفردوس
إن الشعر وجدان
و إن هنا دالة على التأكيد ، فالشعر عند مجيدة فعلا كان وجدانا و سفرا للذات نحو الأمل .
و لعل ما جعلني أغوص بين صفحات هاته النصوص هو انتمائي إلى خانة عشاق الشعر و متذوقيه قراءة و بحثا ، فكثيرا ما تصير الكتابة ملجأ دافئا للتغني بالألم و صياغته قلائد ثم بيعها للنسيان .. و أحيانا بها نقتل بعض الأشخاص ليتم إقبارهم بشكل نهائي عن حياتنا بعد الانتهاء من فعل الكتابة على حد تعبير الكاتبة أحلام مستغانمي، إنه القتل الضروري الجميل ، و كما عبر عن ذلك أدونيس ” ثمة أشياء و علاقات يكون موتها أحيانا أكثر جمالا من ولادتها ، و الشاعرة مجيدة تكتب عن الطبيعة بكل تجلياتها و بين أحراجها تتخلى عن كل ما لايروق لها ، و كأنها بذلك تتذكر قول نسيب عريضة لما قال :
فصاحت النفس بي و قالت
مالي و للناس و الزحام
أصبت يا نفس فاتبعيني
فليس كالغاب من مقام
ولا أدري و أنا القارئة لهذه النصوص ، هل مجيدة لجأت الى الطبيعة بحثا عن حلول عاطفية ؟ أم أنها ولجت العاطفة و دواليبها فتراءى لها كل ذاك المعجم الغني من الطبيعة ، فهي تقول منذ أول قصيدة لها :
أسكن خيالي
أعتلي صهوة البياض
أسبح في اللامنتهى
أمشي على الغيم
ص: 7
إنها تؤكد و تصرح على أنها هي الذات الفاعلة في تكرار الأفعال ( أسكن ، أعتلي ، أسبح ،أمشي …) ، إنها تمشي على الغيم فتتحرر من سلطة الإيقاع الموحد ، تتمرد على القوالب الكلاسية ، يقول أدونيس في كتابه “زمن الشعر ” : <الشاعر الجديد لا يتجمد في أوزان ثابتة تجعل من كتابة الشعر تطبيقات منهجية ، إنه يهبط إلى جذور اللغة ، يفجر طاقاتها الكامنة التي لا تنتهي في إيقاعات لا تنتهي …> إن مجيدة تبتكر معان جديدة ، و صورا بسيطة لا يحتاج معها القارئ كما أشرت سلفا إلى أداة لفهمها ، ألفاظ غير معقدة ، تعبير موجز ، مما يسهل على القارئ الذي يزعجه الغموض الشعري التجول بأريحية في مروج عملها الإبداعي .
مجيدة و هي تكتب جعلتنا ننصت لآهاتها و أحلامها و طموحاتها و آلامها و آمالها ، و من هنا يمكننا أن نقف عند ثلاث تيمات ذات ارتباط بالذات الشاعرة و نحددها في الآتي :
تيمة الوحدة :
تقول مجيدة الفلاحي :
لا أحد يسمع اختناق الحروف بداخلي
وحدي ألعن الظلام
وحدي أكابد صبري
وحدي أسمع وقع خطواتي
الشوق يمشي الهوينا بداخلي
وحدي أسمع الريح
ص:22
لجأت الشاعرة إلى تكرار عبارة ” وحدي ” مرات عديدة، و علميا الوحدة هي الشعور بأن لا أحد يهتم بك و ليس الشعور بأنك تعيش وحيدا ، و تيمة الوحدة غزت جميع قصائد الشعراء و منهم أبو القاسم الشابي القائل :
رجعت بحزني الى وحدتي
و رددت نوحي على مسمعي
و عانقت في وحدتي لوعتي
و قلت لنفسي ألا فاسكتي
و الشاعرة تلعن الظلام و تكابد الصبر وحيدة كدأب الشعراء الذين يميلون إلى الوحدة من أجل مواساة الذات ، و تمة سؤال ملحاح يصادفني كلما هممت بقراءة هذه التيمة عند الشعراء ، هل الوحدة فعلا هي حل و دواء لتجاوز المحن ؟ أم هي مرحلة عابرة نكون إزاءها غير قادرين على إيجاد بلسم لنزيف الذات الموجع ؟
تيمة المطر :
تخرج مجيدة من الوحدة إلى المطر ، إلى النقاء ، فحيثما تمطر السماء ، يمطر معها الأمل ، و لحظات سقوط المطر هي لحظات المشاعر الدافئة ، و لربما تملك الشاعرة يقينا أن الدعاء مستجاب في المطر ، فصارت ترجو الطهر مع كل قطرة مطر ، تقول :
و يشبهني هذا المطر
القادم من هناك
الهناك …..البعيد
كالندى ، يلثم خدي
ينساب قطرات
كنبض قلبي
ينعشني ص: 23
إنه مطر قادم من هناك و هي تنتظر حلوله لعلها تشفى تغسل أحزانها و يغمرها بالفرح :
نقرأ في نفس النص :
يغسلني من أحزاني
يغمرني بالفرح
زخات زخات
يعيدني إلى روحي
ص: 24
و بحديث مجيدة عن المطر تكون قد مارست نوعا من طقوس البقاء في الطهر بعيدا عن زمن العدم .
تيمة المساء :
المساء عند الشاعرة فيه تجديد ، فليس هو مساء خليل مطران أو مساء المتنبي أو مساء عبد الرفيع الجواهري ، إنها تبني معنى جديدا للمساء ، هو مساء الحب و الفرح فهي تقول :
ضاج بالحب
مكتظ بالشوق
خير مسائي
مسائي قمر
شهد و عسل
مسائي سكر
مسائي نور … ص : 91
فإذا شكل المساء عند الشعراء لحظة الألم بعودة الداء ، فإن مجيدة ترى فيه بلسما و شهدا …
نتابع في نفس القصيدة المعنونة ب ” هذا المساء”
يسعنا هذا المساء جامح
مخضب بالورد
يعبث بأشلائي
يقرأني
كلمة ……كلمة
حرفا ….حرفا
على مهل
يتهجاني … ص: 94
إن الشاعرة فتحت باب التجديد ، و ثارت على التقليد و على العادات و الأعراف ، و هي تخبر جدتها بأنها ستقطع الصلة بكل قديم في نص ” هكذا حدثني جدتي ” و الذي لا يسعنا المجال لتحليله ، و يبقى نصا مميزا راهنت به على أن وجهات النظر تبقى مختلفة بين ثنائيات الماضي / الحاضر ، القديم /الجديد، تقول مجيدة : ” لجدتي ما يكفي من الحكمة / و قد بلغت من الدهاء عتيا / أن تلبسني رداء تعويذات يلجم تدفق الحياة في عروقي / …
إلى أن تقول : و كان لي من الشجاعة ما يكفي ، لأنسف كل خططها ….”
و هكذا تكون نصوص ديوان ” هكذا حدثتني جدتي ” قد شكلت لوحات فنية ، ستظل حية، شاهدة ، ناطقة ،مجددة ، منسابة ، متدفقة معنى ومبنى.
الأستاذة : مينة الحدادي
التعليقات مغلقة.