من التعليم إلى الصحة: العامل الصبتي يُعيد رسم خريطة الخدمات الاجتماعية في اشتوكة أيت باها (الحلقة الثالثة)
إذا كانت الحلقتان الأولى والثانية قد رصدتا منطق التدخل في ملفي البنية التحتية الهيكلية والأمن المائي، فإن الحلقة الثالثة تنزل إلى الطابق الأول من هرم الحاجيات اليومية للمواطن: المدرسة التي يصلها الطفل، والمستوصف الذي تقصده الأم الحامل.. هذا هو المحور الذي شكّل العمود الفقري للمحفظة الاجتماعية خلال السنة الأولى منذ تولي عامل الإقليم محمد سالم الصبتي هرم السلطة الإقليمية بمنطق واحد يجمع بين التدخل الاستعجالي وبناء عرض مستدام.
أولاً: المنظومة التعليمية.. مؤسسات الجيل الجديد تتجاوز مركز المدينة
الرهان الذي أطّر التدخل التعليمي خلال هذه المرحلة لم يكن إحداث مؤسسات عادية، بقدر ما كان استهداف بقع جغرافية تعاني ضغطاً ديموغرافياً بالغاً مع شُح واضح في البنيات الاستيعابية. وفي هذا السياق، وُضع الحجر الأساس لبناء وتجهيز ثانوية إعدادية الرشاد بدوار حاسي البقر في جماعة سيدي بيبي، وهي مؤسسة تمتد على مساحة مغطاة تبلغ 1610 متر مربع، رُصد لها غلاف مالي قدره 13.3 مليون درهم من تمويل وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. الأرقام وحدها لا تعكس ثقل هذا المشروع؛ إذ تعاني جماعة سيدي بيبي من كثافة سكانية مرتفعة وضغط متزايد على بنياتها التعليمية، وهو ما جعل ظاهرة الاكتضاض داخل مؤسسات مركز الجماعة واقعاً يومياً يستنزف جودة التعلم ويؤثر على مؤشراتها.
المنشأة الجديدة مُجهّزة بقاعات دراسية ومرافق إدارية وملاعب رياضية ومرافق خاصة بذوي الاحتياجات الخاصة، وهو تفصيل يكشف عن توجه لبناء مؤسسة شاملة لا مجرد قاعات للتدريس. وفي المنطق ذاته، وُضع الحجر الأساس لإطلاق ثانوية إعدادية الأرك بدوار آيت علي بجماعة إنشادن، بغلاف مالي قدره 10.7 مليون درهم من المصدر التمويلي نفسه، وتأتي في سياق توليد جيل جديد من مؤسسات القرب في المناطق ذات الاستقطاب السكاني المرتفع، مع تأمين وعاء عقاري ملائم لاحتضان المشاريع المقترحة.
غير أن المفاجأة الاستراتيجية في هذا المحور تأتي أيضاً من خارج منطق التعليم المدرسي التقليدي: إطلاق مشروع إحداث المعهد الوطني للعمل الاجتماعي بالإقليم، وهو الثاني من نوعه على مستوى المملكة كلها. قيمة هذا المشروع لا تُقاس بالأمتار المربعة أو الغلاف المالي، بل بما يُمثله من تحوّل نوعي: لأول مرة يستقطب إقليم اشتوكة أيت باها مؤسسة للتعليم العالي بهذه الرمزية، مُلبياً مطلباً طال انتظاره.
ويُضاف إليه إطلاق مشروع بناء وتجهيز المعهد المتخصص للتكنولوجيا التطبيقية بأيت عميرة، في إشارة واضحة إلى أن المقاربة تتجاوز سد العجز الآني نحو بناء رافعة للتشغيل في منطقة يفيض شبابها بالطاقة وتنقصه المؤهلات.
ثانياً: الصحة القروية.. المستوصف حصن أمامي
إذا كانت المستشفيات والمراكز الصحية الكبرى تمثّل العمق الاستراتيجي للمنظومة الصحية، فإن المستوصف القروي يظل حصنها الأمامي في المناطق النائية. وقد جرى خلال هذه المرحلة توسيع شبكة هذه المنشآت بصيغة ممنهجة، تستهدف تحديداً الجيوب السكانية التي ظلت بعيدة جغرافياً عن دائرة الخدمة الطبية القريبة.
في جماعة واد الصفاء، تم إحداث مستوصف قروي وسكن وظيفي بدوار أغرايسن بتكلفة 1.2 مليون درهم، في إطار برنامج التقليص من الفوارق المجالية والاجتماعية بتمويل من صندوق التنمية القروية. المنشأة تُقدّم سلة علاجات أساسية تشمل صحة الأم والطفل، ومراقبة الحمل، والصحة الإنجابية، إضافة إلى التتبع المنتظم لحاملي الأمراض المستعصية والاستشارات الطبية الأولية. وفي نفس المنطق، وبجماعة سيدي بيبي تحديداً بدوار آيت ميمون، تم إحداث مستوصف قروي وسكن وظيفي بغلاف مالي قدره 1.3 مليون درهم بتمويل من صندوق التنمية القروية. أما بدوار بنكمود من الجماعة ذاتها، فقد تم إحداث مستوصف قروي وسكن وظيفي بغلاف مالي بلغ 1.152 مليون درهم، ما يعني أن جماعة سيدي بيبي وحدها استقبلت منشأتين صحيتين جديدتين خلال هذه المرحلة، وهو مؤشر على حجم الخصاص الذي كانت تعانيه في هذا القطاع قياساً بكثافتها السكانية.

ما يُميّز هذه الدفعة من المستوصفات هو اشتراط السكن الوظيفي كمكوّن لا يقبل الاختزال: فبدون سكن لائق، لا يستقر الإطار الصحي في المناطق النائية، وهو الإكراه البنيوي الذي حوّل كثيراً من منشآت صحية سابقة إلى فضاءات فارغة.
بيد أن البنية التحتية وحدها لا تُنتج خدمة صحية فعلية، ما لم يُرافقها حل جذري لإشكالية الموارد البشرية. وهو ما تمت معالجته من خلال اتفاقية شراكة صادق عليها المجلس الإقليمي، تستهدف تأمين الأطر الصحية اللازمة وتثبيتها في مناطق الهشاشة، بما يُحوّل المستوصف من مبنى قائم إلى خدمة حية تُقدَّم باستمرار.
وإلى جانب الاستثمار في البنية الثابتة، راهنت المقاربة الصحية على القوافل الطبية المتنقلة أداةً تكميلية لتعزيز صحة القرب في المناطق التي يصعب الوصول إليها. وفي هذا الإطار، احتضنت جماعة سيدي بيبي قافلة طبية متعددة التخصصات خدمت شرائح واسعة من الساكنة في مختلف الدواوير. وفي السياق ذاته، تم تنظيم قافلة طبية متخصصة بجماعة بيوكرى لإجراء عمليات إزالة المياه البيضاء، استفاد منها مرضى ظلوا ينتظرون هذا التدخل الجراحي الذي يُعيد للإنسان بصره ويُعيده إلى حياته الكاملة.
وهكذا تتشكّل ملامح منظومة صحية متكاملة، بمستوصفاتها وأطرها البشرية وقوافلها المتنقلة، تكشف عن توجه واضح لا يكتفي ببناء هياكل، بل يضع الفئات الهشة، من أمهات وأطفال ومسنين وذوي الأمراض المستعصية، في صميم أولوياته، إيماناً بأن العدالة الصحية لا تتحقق إلا حين تصل الخدمة إلى من عجز عن الوصول إليها.
ثلاثة مبادئ تحكم المحفظة الاجتماعية
قراءة أفقية لهذه الحصيلة الاجتماعية تكشف اليوم عن ثلاثة مبادئ تشغيلية تُبرز منطق التدخل:
الأول هو التكامل القطاعي: المستوصف لا معنى له بدون طريق تُوصل إليه، والمدرسة لا تُؤدي وظيفتها بدون مسلك يصلها بالدوار. ولذلك تجيء المشاريع في حزم مترابطة لا في مشاريع معزولة.
الثاني هو الإنصاف الجغرافي: المناطق الجبلية والنائية لم تعد هامشاً في التوزيع التمويلي، بل حضرت بقوة في الغلاف المالي الإجمالي للبرامج، مع اعتماد صندوق التنمية القروية محركاً تمويلياً ذا أهمية بالغة.
الثالث هو المراهنة على التشغيل: المعهد الوطني للعمل الاجتماعي والمعهد المتخصص للتكنولوجيا التطبيقية ليسا مجرد مؤسستين للتكوين، بل رسالة واضحة بأن المقاربة الاجتماعية تسعى إلى بناء قاعدة إنتاجية حقيقية يُغذيها أيضاً رأس المال البشري المؤهَّل.