من بيوكرى الحاضرة إلى عمق المنطقة الجبلية: العامل الصبتي يطلق السرعة الثانية في إنجاز أوراش البنية التحتية المهيكلة( الحلقة الثانية)
إقليم اشتوكة أيت باها يُشكّل حالة ترابية استثنائية بالمعايير الوطنية: فهو يحتضن أكبر محطة لتحلية مياه البحر في إفريقيا وفي منطقة المتوسط، ويُمثّل العمق الزراعي التصديري لجهة سوس ماسة و”الخزان الغذائي” الوطني بامتياز ، وامتداداً حضرياً مباشراً لأكادير الكبير . هذا التقاطع بين الثقل الاقتصادي والضغط الديموغرافي والهشاشة المائية ..
السنة الأولى من تولي عامل الإقليم محمد سالم الصبتي زمام السلطة الإقليمية، تكشف عن نمط تشغيلي محدد: تسريع مشاريع بالغة الحجم كانت في طور التحضير والتمويل، وتحريك ملفات كانت عالقة، مع الإعلان عن أولويات استراتيجية جديدة..
أولاً: برنامج تأهيل بيوكرى.. رهان التحول نحو قطب حضري منسجم
يُشكل برنامج تأهيل مدينة بيوكرى حجر الزاوية في الرؤية التنموية الجديدة للإقليم، حيث يهدف هذا المشروع الطموح إلى إحداث نقلة نوعية في المشهد الحضري للمدينة، والارتقاء بها لتصبح قطباً حضرياً منسجماً يواكب التوسع العمراني والضغط الديموغرافي المتزايد، ويضعها في مصاف حواضر جهة سوس ماسة.
هذا المشروع، الذي رُصد له غلاف مالي يتجاوز 287 مليون درهم، يأتي ثمرة لشراكة استراتيجية تجمع بين وزارة الداخلية، ووزارة إعداد التراب الوطني والتعمير وسياسة المدينة، ومجلس جهة سوس ماسة، والجماعة الترابية لبيوكرى. ولا تكمن أهمية هذا الورش في غلافه المالي فحسب، بل في طبيعة تدخلاته الهيكلية التي تستهدف تأهيل وتقوية شبكة الإنارة العمومية، وتهيئة الشوارع الرئيسية والأرصفة والممرات، وإحداث ساحات عمومية ومساحات خضراء تمنح المدينة واجهة حضرية لائقة.
لقد دخلت أشغال هذا البرنامج مراحلها التنفيذية الملموسة؛ حيث تُشكل تهيئة شارع الحسن الثاني نموذجاً لهذا التحول، توازياً مع إرساء دعائم الإدارة القريبة من المواطن من خلال تشييد مقر جديد للجماعة الترابية، ليعزز هذا البرنامج بذلك مكانة بيوكرى كمركز إشعاع إقليمي، منسجم مع معايير التنمية الحضرية الحديثة.
ثانياً: ورش استكمال ربط أحياء بيوكرى بالتطهير السائل
في شتنبر من السنة الماضية، جرى التأشير على اتفاقية شراكة لتمويل وإنجاز الشطر الثاني من مشروع التطهير السائل بمدينة بيوكرى، بكلفة إجمالية 25.20 مليون درهم، موزعة بين البرنامج الوطني للتطهير السائل المندمج (12.60 مليون درهم)، وجهة سوس ماسة (4.80 مليون درهم)، والجماعة الترابية (7.80 مليون درهم). يتضمن المشروع إعادة تأهيل قناة المجمع الرئيسي لمياه الصرف الصحي (الواد الحار)، وإتمام ربط الأحياء التي لم تُوصل بعد بالشبكة. وهذا المحور يُكمل منطق البرنامج الأشمل للتأهيل الحضري، إذ لا قيمة لتهيئة الشوارع والأرصفة في غياب شبكة تطهير تغطي المدينة كاملة.

ثالثاً: 350 مليون درهم لحلحلة التطهير في أيت اعميرة وسيدي بيبي
الرهان الاستراتيجي: ترسيخ منطق التكامل الحضري مع منظومة أكادير الكبير عوض بناء منظومات تطهير معزولة، ففي جلسة عمل انعقدت بعمالة الإقليم بحضور المدير الجهوي للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب ورؤساء الجماعات المستهدفة والسلطات المحلية، رُصد ما يناهز 350 مليون درهم لإطلاق مشاريع التطهير السائل في جماعات بيوكرى وأيت اعميرة وسيدي بيبي، بتمويل مشترك بين وزارة الداخلية والجماعات الترابية ومجلس جهة سوس ماسة.
بالنسبة لجماعة أيت اعميرة، يتمحور المشروع حول ربطها بشبكة التطهير الخاصة بمنطقة أكادير الكبير، في سياق ضغط سكاني متزايد تجاوز عدد سكانها معه 113 ألف نسمة. وبالنسبة لجماعة سيدي بيبي، جرت تعبئة كل الوسائل للإسراع في إنجاز الشطر الأول من مشروع التطهير المرتبط بالتوجهات التنموية الكبرى لمركز الجماعة.
رابعاً: بيوكرى وأيت اعميرة إلى منظومة التحلية ـ 120 مليون درهم
في ظل تحديات توالي سنوات الجفاف وتراجع الموارد المائية، ترأس عامل الإقليم لقاءً دراسياً للجنة الإقليمية للماء بحضور رؤساء الجماعات الترابية والمتدخلين في القطاع، وخُصص لتدارس التدابير الاستعجالية والمشاريع الكبرى المتعلقة بتزويد ساكنة الإقليم بالماء. وخلال هذا اللقاء، جرى التأكيد على أن مدينة بيوكرى كانت على وشك الربط بشبكة المياه القادمة من محطة التحلية، بعد أن بلغت نسبة إنجاز الأشغال ما يقارب 90 في المئة.
محور المشروع الهيكلي هو إنشاء محطة لمعالجة ونقل المياه بمنطقة غزالة بجماعة أيت اعميرة، لتكون حلقة الوصل التقنية بين الطاقة الإنتاجية لمحطة الدويرة بجماعة إنشادن (275 ألف متر مكعب يومياً في مرحلتها الأولى لفائدة ما يناهز 1.6 مليون نسمة) وشبكات توزيع بيوكرى وأيت اعميرة. تبلغ تكلفة مشاريع التزويد انطلاقاً من محطة التحلية الخاصة بالجماعات الثلاث أزيد من 120 مليون درهم، وتُنجز موازاةً مع إطلاق دراسات مماثلة لجماعات إنشادن وبلفاع وماسة وسيدي وساي وأيت ميلك.
في نونبر من السنة ذاتها، قام عامل الإقليم والوفد المرافق بزيارة ميدانية لمنشآت وتجهيزات هذا المشروع بجماعة أيت اعميرة، في سياق الاحتفالات بعيد المسيرة الخضراء.
خامساً: المشروع الجبلي
الأولوية التي تنتظر التجسيد
في اللقاءات والورشات التشاورية التي أطّرها عامل الإقليم مع الجماعات الترابية والنسيج الجمعوي، جرى التأكيد بشكل متكرر على ضرورة الإسراع بربط الجماعات الجبلية بمحطة التحلية باعتباره حلاً جذرياً لمعضلة الخصاص المائي في المرتفعات. وقد شدّد عامل الإقليم في لجنة الماء الإقليمية على أهمية التسريع بتنزيل المخططات الاستراتيجية الوطنية في المجال المائي، في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بتوالي سنوات الجفاف، هذا المشروع ينتظر اليوم التجسيد الفعلي على الأرض، ليتحقق الإنجاز الأكبر والأول من نوعه بالمنطقة الجبلية.

سادساً: الحزمة الطرقيةـ 68.5 مليون درهم لتعزيز الشبكة
ففي وقت سابق ترأس عامل الإقليم جلسة عمل مع المدير الإقليمي للتجهيز، أُعلن فيها عن برمجة مشاريع طرقية لسنة 2025 بغلاف مالي إجمالي يبلغ 68.5 مليون درهم، تشمل: مشروع توسيع وتقوية الطريق الإقليمية 1016 بين الطريق الوطنية رقم 1 وأولاد نومر مروراً بماسة على طول 24 كيلومتراً بقنطرة على واد ماسة، ومشروع إعادة بناء منشآت فنية على الطريق الجهوية 115 بين إمي مقورن وسيدي بوسحاب، ومشروع صيانة الطريق الجهوية 105 بين إمي مقورن وأيت باها، وتهيئة مدارات إحشاش ودرايد بجماعة سيدي بيبي ومدارة مدخل جماعة إنشادن.
كما أُعلن عن حزمة جديدة من المشاريع الطرقية لجماعتي أيت اعميرة وسيدي بيبي بتمويل من وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، تستهدف فك العزلة عن الدواوير الواقعة بالمنطقة وتعزيز الارتباط بين المراكز الحضرية والمناطق النائية.
هي إذن ثلاثة خطوط واضحة في منطق حصيلة السنة الأولى:
الأول، ضخ استثمارات بأغلفة مالية محددة في ملفين بنيويين هما التطهير السائل والأمن المائي الحضري.
الثاني، تسريع الأوراش التي كانت في مرحلة التحضير قبل التنصيب، كبرنامج تأهيل بيوكرى الذي استغرق مساره التحضيري أكثر من سنتين ونصف. الثالث، بناء تنسيق مؤسسي منتظم عبر لجان القطاعية وجلسات عمل مع المديريات الإقليمية والجماعات الترابية.
في المقابل، يظل ملف ربط الجبل بمحطة التحلية الأفق الحقيقي القادم لمبدأ التنمية الترابية المتوازنة الذي أُعلن عنه في مختلف اللقاءات التشاورية، لحلحلة مستعجلة لبقاء المرتفعات خارج منظومة التحلية عبر المرور للسرعة الثانية في جذب الاستثمارات اللازمة كما في الجماعات السهلية.