دعم الاستثمار وتنويع الاقتصاد المحلي وإنعاش التشغيل في اشتوكة أيت باها: مقاربة العامل “الصبتي”.. التشخيص أولاً، المشاريع ثانياً ( الحلقة الرابعة)

مصطفى وغزيف

إقليم لا يُفصل فيه الإنتاج عن الإدماج

حين عُيِّن محمد سالم الصبتي عاملاً على إقليم اشتوكة أيت باها، كان أمامه إقليم ذو ثقل فلاحي وطني مؤكد لكنه يعاني من تركّز اقتصادي حاد حول سلسلة إنتاجية واحدة، وضعف في هيكلة الأنشطة غير الفلاحية، وشباب يبحث عن فرص لا يجدها محلياً. لم يُطلق الصبتي مشاريع جاهزة من يومه الأول، بل بدأ بالاستماع.

عقد لقاءً مع أعضاء مكتب الكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب لجهة سوس ماسة برئاسة إدريس بوتي، وشكّل اللقاء مناسبة لمناقشة القضايا المتعلقة بالظرفية الاقتصادية بالإقليم. ثم عقد لقاءً تواصلياً مع أعضاء مكتب غرفة التجارة والصناعة والخدمات للتداول في ملفات تدبير قطاع التجارة والصناعة والخدمات بالإقليم، والنهوض بالصناعة التقليدية والاقتصاد التضامني، واستعراض القضايا التي تهم مهنيي هذه القطاعات. وفي مناسبة تواصلية، شدد الصبتي خلال دورة الجمعية العامة لغرفة التجارة على ضرورة إخراج بورصة البواكر مما وصفه بـ”وضعية التعثر” وتحويلها إلى رافعة تنمية فعلية.

هذه الجولات التشاورية لم تكن ب ” بروتوكولات” مجاملة. فقد طرحت قضايا بالغة الأهمية مرتبطة بوضعية الموارد المائية وارتباطها بآفاق الاستثمارات الفلاحية، ووضعية المناطق الصناعية ومناطق الأنشطة الاقتصادية بعدد من الجماعات، وتثمين النفايات البلاستيكية والفلاحية، وتأهيل الأسواق الأسبوعية، وإحداث مناطق ترفيهية. ورُصدت من خلالها نقط الضعف البنيوية التي تعوق الاستثمار وتضيّق سوق الشغل.

في أول دورة عادية للمجلس الإقليمي، أبرز الصبتي أن اشتوكة أيت باها ليست مجرد إقليم بل ركيزة اقتصادية وطنية بفضل مكانتها الفلاحية وموقعها ضمن جهة سوس ماسة، داعياً إلى تعبئة كل الجهود لاستقطاب الاستثمارات وتعزيز المشاريع الكبرى.

أيت باها: نواة منطقة صناعية في أفق خلق حركية اقتصادية بالمناطق الجبلية

الترجمة الأولى والأكثر دلالة لهذا التوجه جاءت مع ملف منطقة الأنشطة الاقتصادية بمدينة أيت باها. إذ ومع تواصل التحضيرات لتسريع إخراج منطقة الأنشطة الاقتصادية بجماعة أيت باها إلى حيز الوجود، فإن هذا المشروع ذات بعد استراتيجي يتطلب تعبئة استثمارات تفوق 11.4 مليون درهم، ويُرتقب أن يُشكّل رافعة حقيقية للتنمية المحلية.

الاجتماع الذي ترأسه الصبتي لم يكن مجرد لقاء عابر، بل محطة تقنية حاسمة لعرض دراسة الجدوى وتحديد المسار التنفيذي للمشروع، في خطوة تهدف إلى تجاوز الطابع غير المنظم للأنشطة الاقتصادية بالمناطق الجبلية. أشرف على هذا الاجتماع بمعية رئيس مجلس الجهة ورئيس غرفة التجارة والصناعة والخدمات، وحضره رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب بالجهة ورئيس الجماعة الترابية لأيت باها ومصالح المركز الجهوي للاستثمار والوكالة الحضرية والمديرية الإقليمية للمياه والغابات.

أهمية هذا المشروع لا تكمن في رقم الاستثمار فحسب، بل في ما يمثله من قطيعة مع نمط الأنشطة الجبلية المشتتة وغير المهيكلة: منطقة مُجهَّزة تضم الحرف والأنشطة الصغيرة والمتوسطة تحت سقف مؤسسي واحد، مما يفتح أمامها إمكانية الحصول على التمويل والمرافقة والأسواق.

التنويع القطاعي: السياحة قاطرة موازية

والظاهر أن العامل الصبتي لا يراهن على الصناعة وحدها بديلاً. فقد.أكد على أهمية تثمين المؤهلات الطبيعية والمجالية للنهوض بقطاع السياحة بالإقليم، من خلال استغلال فرص المنتزه الوطني والمجال الشاطئي والجبلي للنهوض بقطاع السياحة الإيكولوجية والجبلية والروحية وخلق منتوج سياحي جذاب. الرهان واضح: إقليم يملك شريطاً ساحلياً ومنتزهاً وطنياً وموروثاً روحياً لا يُستثمر بعد في أي منتوج سياحي متماسك.

الصبتي أشاد أيضاً بالدور المحوري لمجلس جهة سوس ماسة في دفع عجلة التنمية بالمناطق الجبلية، في إشارة إلى أن الإقليم لا يشتغل بمنطق الجزيرة المعزولة بل ضمن منظومة جهوية متناسقة تُوفر له الموارد والمشاريع الهيكلية.

المبادرة الوطنية للتنمية البشرية: الرافد الاجتماعي للتشغيل

على الصعيد الميداني المباشر، تضطلع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بدور محوري في ترجمة هذا التوجه إلى فرص شغل فعلية. صادقت اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية برسم سنة 2025 على 57 مشروعاً رُصد لها غلاف مالي قدره 43.5 مليون درهم، تتوزع بين محاور العناية بالأجيال الصاعدة والاهتمام بالفئات الهشة ودعم الشباب حاملي المشاريع والمقاولين الشباب، إضافة إلى تدارك الخصاص في البنيات التحتية بالمجالات الأقل تجهيزاً.

لكن لم يتم الاكتفاء بالمصادقة على الأرقام. فقد شدد الصبتي على ضرورة تطوير منهجية العمل باعتماد أساليب متجددة لبرمجة المشاريع وتقييمها وتطوير أشكال الحكامة، مع المراهنة على جيل جديد من المشاريع يستجيب للتحولات المتسارعة في مختلف مناطق الإقليم، وإبداع مشاريع مبتكرة لإدماج الشباب.

الرسالة في ذلك واضحة: لا مكان للمشاريع الروتينية التي تستنسخ النماذج القديمة دون قيمة مضافة

الإدماج الاقتصادي: الحلقة المكملة لمنظومة التنمية

إلى جانب المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والاستثمار الخاص، يتكامل في الإقليم حضور مؤسسي ثالث.

وإذا كانت المناطق الصناعية تستقطب المقاول القادر، فإن الرهان الحقيقي يظل في من لم تبلغه بعد دورة الاقتصاد الرسمي. هنا يتدخل برنامج مؤسسة محمد الخامس للتضامن بشراكة مع وزارة الإدماج الاقتصادي وجهة سوس ماسة والوكالة الوطنية لتنمية الواحات ومناطق الأركان، ليُحوّل الهشاشة إلى مشروع، إذ استفاد 28 شاباً وشابة من مختلف مناطق الإقليم، لا سيما القروية منها، من تجهيزات ومعدات تُمكّنهم من الانطلاق في أنشطة مقاولاتية متنوعة تشمل الإلكترونيك والصناعة التقليدية والبناء والخدمات والسمعي البصري، مع مواكبة متواصلة في مختلف مراحل تطوير مشاريعهم.

وامتداداً لهذا المنطق، أشرف الصبتي على حفل توزيع تجهيزات ومعدات لفائدة 16 مستفيداً من برنامج مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، وذلك في إطار تنفيذ برامج المؤسسة الهادفة إلى دعم الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للأشخاص المفرج عنهم ومواكبتهم في بناء مشاريعهم الذاتية لضمان استقلالهم المعيشي وإعادة انخراطهم الإيجابي في المجتمع. أما مؤسسة محمد الخامس للتضامن، فتستهدف في الإقليم ما مجموعه 12973 أسرة موزعة بين الوسط القروي والحضري، وفق معايير دقيقة تضمن وصول الدعم لمستحقيه الفعليين.

إن ما يميز مقاربة العامل الصبتي في هذا المحور هو أنه لم يُفرد ملف الاستثمار عن ملف التشغيل، ولم يفصل بين الاقتصاد الرسمي والاقتصاد التضامني. المعادلة التي يشتغل عليها تبدو مركّبة: تشخيص تشاركي مع الفاعلين الاقتصاديين ← مشاريع مناطق صناعية مهيكلة لاستقطاب الاستثمار ← تنويع قطاعي نحو السياحة والخدمات ← برمجة اجتماعية تستهدف الشباب والفئات الهشة عبر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ← شبكة مؤسسية تكميلية تغطي من بقي خارج الدائرة. إقليم لا يُفصل فيه الإنتاج عن الإدماج.


آخر المستجدات
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.