الحلقة السابعة: حين يصهر العامل الصبتي “قوة القرار المؤسساتي أكدال” في “عمق الهوية الأمازيغية”.. والتفاعل الوازن بلغة الأرض والأعراف المحلية..

مصطفى وغزيف

“أزول” .. لم تكن تحية الافتتاح الأمازيغية التي استهل بها السيد محمد سالم الصبتي أولى تفاعلاته الرسمية مع المنتخبين والفاعلين الترابيين بإقليم اشتوكة أيت باها مجرد تلطّف بروتوكولي. كانت في قراءة أهل المنطقة رسالةً ذات دلالة بالغة عن مكانة الأمازيغية في أجندة الرجل القادم بثلاثة عقود من الإدارة الترابية، من السمارة إلى اليوسفية وصولاً إلى عمق سوس.

فالإقليم، الذي حلّ فيه الصبتي عاملاً ليس إقليماً عادياً بمعايير الجغرافيا الثقافية المغربية؛ هو واحد من أكثر الأقاليم الأمازيغية حضوراً في الوجدان السوسي، تتحدث أمازيغيةَ “تيشلحيت” غالبيةُ ساكنته، بل اليوم تستقطب الدائرة السهلية يدا عاملة زراعية السواد الأعظم منها تتحدر من أقاليم الأطلس.. كما تتجذر في تراب الإقليم موروثات ثقافية تمتد من جبال الأطلس الصغير إلى السهل الساحلي.

 “إيض ن يناير”.. احتفاء مؤسسي بالهوية في عمقها الحضاري

في منتصف يناير من السنة الجارية، كان إقليم اشتوكة أيت باها على موعد نوعي مع الأمازيغية في صيغتها الأبهج. مؤسسة سعيد أشتوك أطلقت برنامجها الرسمي للاحتفال بالسنة الأمازيغية الجديدة 2976 بالمركز الثقافي سعيد أشتوك بمدينة بيوكرى (حاضرة الإقليم)، أيام 12 و13 و14 يناير 2026، تحت شعار مركزي: “الأمازيغية في صلب الهوية المغربية”.

جاء هذا الحدث تفعيلاً للطابع الرسمي للأمازيغية واحتفاءً بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية، حيث سطّرت المؤسسة برنامجاً يمتد لثلاثة أيام يجمع بين المعارض التراثية والعروض الفنية والندوات العلمية. ثلاثة أيام تجمع في طيّها التاريخ والفن والنقاش العمومي.

الفعاليات ذاتها ختمت بيوم فكري وعلمي تضمن ندوة حول موضوع دور الاحتفال بالسنة الأمازيغية في تجسيد تلاحم وتنوع الهوية الوطنية، بمشاركة باحثين وأكاديميين معنيين بالشأن الأمازيغي.

وفي سياق هذه الفعاليات، تم التأكيد على ضرورة الارتقاء بهذا الاحتفاء إلى “مستوى مأسسي” يليق بمكانة الأمازيغية دستورياً وهوياتياً، وذلك من خلال تطوير البرمجة وتنويع الشراكات واستقطاب متدخلين من الكفاءات الأكاديمية والبحثية والفنية المتخصصة، بما يجعل من الاحتفاء بالسنة الأمازيغية حدثاً إقليمياً وازناً ذا إشعاع ثقافي يتجاوز حدود المناسبة الموسمية.

بلاغة الجلباب السوسي في سيمياء الصورة..

ثمة لحظات تغني فيها الصورة عن ألف كلمة. في احتفالية “إيض ن يناير”، وقف العامل الصبتي بجلباب أمازيغي أصيل باللون الأزرق العميق، معتمراً العمامة البيضاء، في مشهد بصري مكتفٍ بنفسه من حيث الرموز والدلالات. صورة تناقلتها المواقع الإخبارية بوصفها حدثاً استثنائياً، لا لأن مسؤولاً حضر احتفالية، بل لأنه اختار أن يحضر بهذا الزي تحديداً.

كل القراءات التي أعقبت تداول الصورة أجمعت على أن هذه الإطلالة خطاب كامل بلا ميكروفون؛ يقول بوضوح إن العلاقة بين الرجل وساكنة الإقليم تتجاوز الإطار الوظيفي لتمس عمق الانتماء والهوية المشتركة. وهي روابط لا تُبنى في يوم، ولا تُفسَّر بمنطق آني، بل تستمد توهجها من زخم التاريخ ومن وعي حقيقي بأن أعمق الرسائل لا تُصاغ كلها في البيانات الرسمية، بل تُقرأ في تفاصيل الحضور وخيارات اللحظة.

“أكدال”.. حين يتكلم القرار الإداري بلسان الأرض

لم يكن لافتاً في القرار العاملي رقم 58 الصادر في 6 مارس 2026 مضمونُه البيئي وحده، بل كان اللافت أن يحمل عنوانه مصطلحاً أمازيغياً خالصاً: “أكدال”، حيث اختار العامل الصبتي أن يُوقّع قراره بمفردة سوسية متجذرة تعني في الموروث العرفي الأمازيغي نظامَ الحماية الجماعية للمراعي والغابات. هذا الاختيار اللغوي الذي لقي أصداء طيبة واسعة في المنطقة الجبلية المعنية، لم يكن تفصيلاً شكلياً؛ فتوظيف “أكَدال” في متن وثيقة رسمية صادرة عن عمالة الإقليم يُدمج المرجعية العرفية الأمازيغية في صلب المنظومة القانونية الإدارية، ويمنح البيئة المحلية التي توارثت هذا النظام لأجيال طويلة تثميناً لموروثها المجالي. ففي إقليم يحمل اسمه نفسه بصمةً أمازيغية، كان اختيار هذا المصطلح بمثابة قراءة دقيقة للجغرافيا الثقافية للمكان.

جاء هذا القرار مُسنَداً بقوة القانون، ومُستنِداً إلى ظهير 4 مارس 1925 المتعلق بحماية غابات الأركان، ليُترجم في أشكال إجرائية ملموسة مطالبَ طويلة الأمد رفعتها فئات عريضة من ساكنة الإقليم التي تشكّل شجرة الأركان مورداً حيوياً لعيشها، وبذلك يكون القرار إجابة عملية لإشكاليات مطروحة.

والأبعد أثراً في هذا القرار أنه يُعيد الاعتبار لعرف محلي عريق يحفظ للأركان حرمتها خلال دورة إزهارها وإثمارها ونضج ثمارها — وهو العرف ذاته الذي توارثته قبائل سوس جيلاً بعد جيل.

فالأركان ليس مجرد شجرة؛ هو في الموروث الثقافي السوسي عنوان الصمود والعيش المشترك مع المجال الطبيعي، وعلامة محلية بامتياز، وحمايتها معناها في الوجدان المحلي صون هوية بكاملها.

 الأمازيغية في صلب الهوية المحلية: سياق أوسع وتراكم مؤسسي

لا تنحصر الأمازيغية في اشتوكة أيت باها عند مستوى المناسبات الاحتفالية. فقد شهد الإقليم مسيرة مؤسسية تدريجية في مجال تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية. أقدمت الجماعة الترابية لمدينة أيت باها (كنموذج) على إبرام اتفاقية باللغة الأمازيغية بهدف تنزيل واقعي للقانون المرتبط بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية بالمغرب، وجاءت هذه الاتفاقية التي صادق عليها المجلس الجماعي في إطار تنزيل برنامج عمل جماعة أيت باها لتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، باعتبارها مكوناً أساسياً للهوية الوطنية الجامعة.

هذا الإرث المحلي المتراكم هو الأرضية التي قدِم إليها الصبتي، فأحياها بالقرب اللغوي والثقافي والاجتماعي والوجداني الرفيع، وبقراره العاملي المؤسسي، ليُكمل مساراً كان يحتاج فعلاً إلى هذه الخطوات الإدارية العملية التي كان لها الوقع المتميز للغاية في وجدان الفعاليات الإقليمية.

ثلاثة مستويات إذن لحضور الأمازيغية في السنة الأولى:

*ملف الأمازيغية خلال السنة الأولى من تولي العامل الصبتي زمام السلطة الإدارية بالإقليم يتوزع على ثلاثة مستويات متمايزة لكنها متكاملة:*

أولاً: القرب اللغوي في الفضاء الرسمي — استهلال الكلمات الافتتاحية في اللقاءات الرسمية بالتحية الأمازيغية، فضلاً عن استحضار طوبونيمية الأماكن والأعلام الأمازيغية في كثير من اللقاءات التواصلية، مع التأكيد على أهمية توظيف هذه المكونات في مجال صون الذاكرة الجماعية وتعزيز الانتماء إلى الهوية المحلية. وهي إيماءات رمزية لكنها ذات ثقل في منطقة يشكل فيها الأمازيغ الغالبية الساكنة.

ثانياً: الدعم المؤسسي لفعاليات يناير — الحضور الرسمي وإتاحة الفضاء المؤسسي للاحتفاء بالسنة الأمازيغية، في تجاوب مع ما باتت تكرّسه الاعتراف الدستوري ومعه السياسة الرسمية للدولة منذ إقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية.

ثالثاً: التوظيف القانوني للمفاهيم الأمازيغية — إصدار قرار “أكَدال” بلفظه الأمازيغي في نص إداري رسمي، وهو المستوى الأعمق دلالةً لأنه يُدمج الموروث العرفي الأمازيغي في منظومة القرار الترابي، ويُعيد الاعتبار لعرف محلي عريق يحفظ للأركان حرمتها خلال دورة إزهارها وإثمارها ونضج ثمارها — وهو العرف ذاته الذي توارثته قبائل سوس جيلاً بعد جيل.

ففي إقليم يتمحور اسمه ذاته حول هوية أمازيغية راسخة — “اشتوكة أيت باها” أو “أشتوكن أيت باها” — لا تبدو الأمازيغية في حسابات الصبتي رهاناً طارئاً، بل معطىً هوياتياً بنيوياً لا يمكن أن يتجاهله أي مشروع تنموي يدّعي الانتماء إلى المجال وأهله.


آخر المستجدات
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.