الحلقة الثامنة: العامل الصبتي .. حصيلة من الحضور الوازن ودعم موثَّق وأفق استراتيجي يجعل من الثقافة رافعة للتنمية الترابية

مصطفى وغزيف

تكريمٌ بادر إليه المنظمون أنفسهم.. فحين منح مهرجان سينما الشباب للفيلم القصير في دورته التاسعة درعَه التقديري لعامل إقليم اشتوكة أيت باها محمد سالم الصبتي، كانت تلك شهادةً ميدانية صريحة على دعم فاعل أحسّه الفاعلون الثقافيون قبل أن يُعلنوه. وهو عنوان جامع لمقاربة ثقافية نوعية رسم ملامحها العامل الصبتي طوال سنته الأولى على رأس الإقليم، جعل فيها الثقافة شأناً ترابياً حقيقياً لا ملحقاً احتفالياً موسمياً.

خمسة مهرجانات من شاطئ سيدي وساي إلى مرتفعات إداوكنيظيف وإنشادن، ومن سهول واد الصفاء إلى قاعات بيوكرى، جمعت بين التعبير الأمازيغي والإبداع الحساني والفن السينمائي والتراث الفروسي. وفي كل محطة كان للعامل حضور وازن ودعم موثَّق أشادت به الهيئات المنظمة بصوت مسموع. والاشتغال على إخراج فضاءات “الإكودار”، تلك المخازن الجماعية الأمازيغية التي يتجاوز عمر بعضها تسعة قرون، من دائرة الاحتفاء الرمزي نحو مجال السياحة الثقافية الفعلية.

هذه هي خيوط المفاصل الكبرى من الحصيلة الثقافية لسنة أولى تقدمها هذه الحلقة بتمعّن، مستخلصة منها ما هو أعمق من الأرقام والفعاليات: نمط حضور مؤسسي جديد يُعيد للثقافة مكانتها في معادلة التنمية الترابية بإقليم اشتوكة أيت باها..

المركب الثقافي الرايس سعيد اشتوك.. الأساس المؤسسي لكل ما تلاه

قبل أن تُطلق المهرجانات ويعلو الإبداع، كان لا بد من سقف مؤسسي يحتضن الفعل الثقافي ويمنحه استمراريةً أبعد من الأجواء الاحتفالية العابرة. جاء تدشين مشروع تهيئة المركب الثقافي الرايس سعيد اشتوك ببيوكرى ليملأ هذا الفراغ؛ إذ رُصد للمشروع غلاف مالي يتجاوز 5.3 مليون درهم بتمويل من وزارة الثقافة، في إطار احتفالات عيد العرش المجيد، وأشرف على تدشينه العامل شخصياً رفقة رئيس جماعة بيوكرى والوفد المرافق.

لم يكن هذا التدشين مُنجزًا إدارياً عادياً، بل كان إعلاناً رمزياً عن إرساء بنية ثقافية دائمة في قلب المدينة، مُصمَّمة لتكون حاضنة مؤسسية للإبداع المحلي على مدار السنة. وقد أثبت المركب بسرعة لافتة أنه فضاء حيوي مفتوح، إذ استقطب العروض المسرحية والفعاليات الثقافية المتنوعة وصولاً إلى احتضان واحد من أبرز المواعيد السينمائية بالإقليم. هذا الوجود المادي للبنية الثقافية في المدينة هو ما منح باقي المبادرات عنواناً جغرافياً ثابتاً وسنداً مؤسسياً قابلاً للاستدامة.

 مهرجان سينما الشباب.. درع تكريم العامل

على خشبة المركب ذاته، فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان سينما الشباب للفيلم القصير، حملت أجواءا فنية بهيجة أضحت علامة ثابتة لهذا الموعد السينمائي الذي ترسّخ كأحد أبرز المحطات الثقافية في تقويم الإقليم.

ترأس العامل “الصبتي” حفل الافتتاح محاطاً بنخبة من وجوه الفن والثقافة وصناع السينما، في مشهد يعكس حجم الاهتمام الذي يحظى به هذا الحدث على الصعيدين المحلي والوطني.

الأمر الذي يستحق التوقف عنده ليس الحضور وحده، بل ما جاء في طيّاته: إذ خصصت إدارة المهرجان تكريماً خاصاً للعامل، منحته درع المهرجان وشهادة تقدير تُثمّن مساهمته القيمة التي أضفت إشعاعاً خاصاً على الدورة، ودعمه لرسالة المهرجان الهادفة إلى الاحتفاء بالإبداع الشبابي وتعزيز مكانة السينما كملتقى للتعبير والفن. هذا التكريم الصادر عن المنظمين أنفسهم، وليس عن الجهة الرسمية، يُجسّد في العمق طبيعة العلاقة التي يسعى العامل إلى بنائها مع الفاعلين الثقافيين: شراكة حقيقية وليس حضور بروتوكولي.

ويواصل مهرجان سينما الشباب للفيلم القصير ترسيخ مكانته كموعد سنوي راسخ في المشهد الثقافي، ومنصة حيوية تتيح للطاقات الصاعدة عرض أعمالهم وتبادل الخبرات وإبراز رؤاهم الفنية، ما يعزز من دور بيوكرى كحاضنة للإبداع ومنارة ثقافية في سياق جهوي أوسع.

 المهرجان الدولي للسينما والبيئة بسيدي وساي.. حين تلتقي البيئة بالإبداع السينمائي

في الطرف الآخر من جغرافية الإقليم، وعلى شاطئ سيدي وساي-ماسة، كانت لجماعة بيوكرى رديفٌ ثقافي بمعادلة مختلفة. فقد استعدّت جمعية أسنفلول للتنمية الثقافية لإطلاق الدورة الثامنة للمهرجان الدولي للسينما والبيئة، في تظاهرة تجمع بين الإبداع السينمائي والانشغال بالقضايا البيئية، وتندرج ضمن الجهود الرامية إلى ترسيخ ثقافة بيئية مستدامة. وتكمن أهمية هذا المهرجان في معادلته المزدوجة: فهو من جهة يُحوّل جماعةً ساحليةً إلى فضاء للحوار الثقافي الدولي، ومن جهة أخرى يُدمج البُعد البيئي في المقاربة الثقافية بأسلوب يتقاطع مع رؤية أعلن عنها العامل الصبتي وتتجه نحو تثمين المؤهلات الطبيعية للإقليم.

وقد بات هذا الحدث أحد المواعيد الثقافية التي تفرض حضورها المتنامي على الساحة الوطنية والدولية، ما يمنح الإقليم موطئ قدم في خارطة المهرجانات ذات الطابع البيئي والسينمائي.

 ملتقى الخيمة الحسانية بواد الصفاء.. التنوع الثقافي رافعة للوحدة الوطنية

ولا تنحصر الهوية الثقافية لإقليم اشتوكة أيت باها في رافدها الأمازيغي وحده، بل تمتد لتشمل روافد أخرى تعكس العمق الجغرافي والإنساني لمجاله الترابي. وفي هذا السياق، احتضنت جماعة الصفاء في إقليم اشتوكة أيت باها الدورة الرابعة من ملتقى الخيمة الحسانية، الذي نظّمته قبائل أولاد بوعشرة بشراكة مع المركز المغربي للتربية والتكوين والتنمية المستدامة، تحت شعار “الثقافة الحسانية رافعة للتنمية والوحدة”.

وكان حفل الانطلاق قد شهد توجيه رسالة شكر وتقدير خاصة إلى العامل الصبتي، تُثمّن دعمه الفعلي لهذا الملتقى والذي يحمل دلالة ثقافية خاصة في سياق إقليم يجمع بين مكونات ثقافية متعددة ومتكاملة: أمازيغية سوسية في مرتفعاته وسهوله، وحسانية في أطرافه الجنوبية. وهو ما يجعل احتضان مثل هذه الفعاليات ودعمها رسالةً ضمنية واضحة حول مفهوم التنوع الثقافي الذي يتبناه العامل في تدبيره للمشهد الإقليمي: تنوع يُراد له أن يكون رصيداً جامعاً ذا قيمة مضافة نوعية.

 مهرجان إكودار بإداوكنيظيف.. ثقافة نابضة 

ينتقل المشهد من السهل والساحل إلى المرتفعات، حيث تشكّل جماعة إداوكنيظيف خلال أيام مهرجان “إكودار” السابع فضاءً مفتوحاً للاحتفاء بالموروث الأمازيغي الأصيل، وتعزيز الروابط بين مختلف مكونات المجتمع المحلي والجهوي.

ويُجسّد هذا المهرجان الجبلي معادلة تنموية وثقافية في آنٍ معاً: ساكنة المرتفعات تجد في “إكودار” فضاءً للاعتراف بهويتها وحضورها في المشهد الثقافي الإقليمي والجهوي، وفضاءا للتواصل السنوي حول قضايا التنمية المحلية الملحة في هذه الجغرافيا وقد أصبح هذا المهرجان موعداً سنوياً راسخاً في الأجندة الثقافية للإقليم، يُجسّد رسالة دعم واضحة لثقافة الجبل، ولجهود تنمية المناطق الجبلية التي تُعدّ من أولويات التنمية المجالية المُعلنة.

مهرجان تزرزيت تثمين الذاكرة الأمازيغية لفن أجماك

في جماعة سيدي عبدالله البوشواري، يجد فن “أجماك” موعده السنوي الراسخ مع محبيه وعشاق الموروث الأمازيغي الأصيل، من خلال مهرجان تزرزيت الذي تنظمه إدارة المهرجان الإقليمي بشراكة مع المجلس الجماعي، وبلغ في نسخته الرابعة مرحلة النضج والترسّخ كموعد ثقافي لا يمكن إغفاله في تقويم الإقليم.

تحت شعار “فن أجماك.. من عمق التراث إلى آفاق التنمية”، يتحوّل قلب الجبل ليالي المهرجان إلى فضاء حيّ يلتقي فيه الماضي بالحاضر، ويُصاغ فيه مستقبل التنمية من رحم الثقافة الشعبية. وليس “أجماك” مجرد لون فني تراثي، بل هو من أبرز التعبيرات الفنية الأمازيغية المتجذرة في المنطقة، يحمل في إيقاعاته وكلماته ذاكرة جماعية حيّة تعكس هوية ساكنة الجبل وخصوصيتها الثقافية العميقة.

ويتجاوز المهرجان بُعده الاحتفالي ليشكّل منصةً لإبراز المقومات السياحية والثقافية لجماعة سيدي عبدالله البوشواري، وتحفيز التنمية المحلية عبر استقطاب الزوار نحو اكتشاف خصوصياتها الطبيعية والثقافية، وهو ما يجعله نموذجاً حياً للفكرة التي يتبناها العامل الصبتي: توظيف الموروث الثقافي رافعةً للاقتصاد الترابي لا مجرد استعراض للهوية.

 مهرجان التبوريدة ..استحضار عبق تاريخ تراث الأجداد

وفي الجهة الأخرى من الدائرة السهلية للإقليم، كان الاحتفال بحدث ثقافي تراثي من طراز آخر: الدورة الخامسة من المهرجان الجهوي للتبوريدة والتراث الأمازيغي والتنمية المجالية، الذي احتضنته جماعة وقبيلة إنشادن، وتنظّمه سنوياً جمعية بوبكر أنشاد للثقافة والفن. وتأتي هذه الدورة تكريماً لذكرى الفاعل المحلي والجمعوي المرحوم سعيد البهالي، في إشارة إلى قيمة الوفاء للرموز الثقافية المحلية التي تحتفي بذكراها مثل هذه المبادرات.

ليس مهرجان التبوريدة مجرد عرض للفروسية التقليدية، بل هو مشهد حيّ يستحضر عبق التاريخ وذاكرة الأجداد، ويعكس عمق الهوية الأمازيغية المتجذرة في الفروسية الشعبية التي طالما كانت رمزاً للفخر والشهامة. وتتجلى في هذا المهرجان فلسفة الصون الثقافي الحيّ: ليس في المتاحف والأرشيفات، بل على أرض الجماعة وأمام أبناء القبيلة وضيوفها.

إيكودار.. حين يتحوّل الموروث المعماري إلى رهان ثقافي وسياحي..

ولا يمكن الحديث عن الشأن الثقافي في إقليم اشتوكة أيت باها دون استحضار واحد من أثمن كنوزه الحضارية وأكثرها استثنائيةً على المستوى الوطني والدولي: المخازن الجماعية الأمازيغية المعروفة بـ”إيكودار”، صيغة جمع لكلمة “أكادير” التي تعني الحصن، وهي منشآت جماعية عالية الأسوار ذات أبراج، شُيّدت فوق قمم الجبال قبل أكثر من ألف سنة، وخُصصت لتخزين محاصيل الأسر الأمازيغية وحمايتها، لتكون بذلك أقدم نظام بنكي جماعي تشاركي عرفته المنطقة. وتحتضن مناطق إقليم اشتوكة آيت باها الجبلية أكبر تركّز لهذه المخازن في منطقة سوس الأمازيغية بأسرها، ومنها تلك التي يتجاوز عمرها 950 سنة، وتُمثّل معلمةً تراثية ذات بعد تاريخي ومعماري فريد، تحمل في ثناياها دلالات ثقافية عميقة تدل على التعاون والتضامن الاجتماعي.

غير أن هذا الإرث المعماري النادر يواجه تحديات تآكل الزمن والإهمال، ما يجعل مسألة صونه وتثمينه رهاناً ثقافياً وتنموياً ملحّاً. وفي هذا السياق تتموقع رؤية العامل الصبتي الذي أكد، في لقاءات سابقة مع مختلف الفاعلين المؤسساتيين ( مصالح وزارة الثقافة) والمجتمع المدني على ضرورة تثمين المؤهلات الطبيعية والمجالية للإقليم وخلق منتوج سياحي جذاب بعلامة اشتوكة أيت باها، يُدمج السياحة الإيكولوجية والجبلية والروحية في منظومة واحدة متكاملة. وضمن هذه الرؤية يندرج الاشتغال على إخراج فضاءات الأكودار من وضعها الراهن نحو مجال السياحة الثقافية الفعلية، والترويج لها وجهةً ثقافيةً عالمية تستقطب الزوار من كل أنحاء المغرب والعالم.

إخراج الإكودار من دائرة الاحتفاء الرمزي إلى فضاء ثقافي وسياحي حيّ يعني في العمق ربط ذاكرة الجبل بمنطق الاقتصاد الترابي، وتحويل الموروث اللامادي من عبء صون إلى رافعة تنمية، وهو الرهان الحقيقي الذي تنتظر ساكنة المنطقة الجبلية ترجمته على أرض الواقع في المراحل المقبلة.

 نحو سياحة ثقافية بعلامة اشتوكة أيت باها.. الأفق الاستراتيجي

كل هذه الفعاليات لا تعيش في فراغ، بل تندرج ضمن رؤية استراتيجية أشمل أفصح عنها العامل الصبتي بوضوح في لقائه مع أعضاء مكتب غرفة التجارة والصناعة والخدمات، حين أكد على أهمية تثمين المؤهلات الطبيعية والمجالية للإقليم، من خلال استغلال فرص المنتزه الوطني والمجال الشاطئي والجبلي للنهوض بقطاعَي السياحة الإيكولوجية والجبلية والروحية، وخلق منتوج سياحي جذاب بعلامة اشتوكة أيت باها.

في هذا الإطار يجب أن تُقرأ المبادرة المتعلقة بفضاءات الأكودار، تلك المنشآت الجماعية التقليدية المنتشرة في مرتفعات الإقليم والتي تُمثل إرثاً معمارياً وحضارياً وظيفياً لا نظير له في المنطقة. إخراج الأكودار من حدود الفعل الاحتفالي نحو مجال السياحة الثقافية الفعلية يعني الانتقال من منطق عرض التراث إلى منطق توظيفه اقتصادياً لصالح ساكنة المرتفعات، وهو ما يُجسّد في عمقه معنى الربط الحقيقي بين الهوية والتنمية.

ثلاثة خيوط تنسج مقاربة ثقافية متمايزة

وهكذا، تكشف حصيلة السنة الأولى في الملف الثقافي عن ثلاثة خيوط متشابكة تنسج معاً ملامح نموذج ثقافي ترابي في طور البناء:

الأول، الانتقال من الدور المُشرف إلى الشريك الفاعل: حيث تجاوز حضور العامل في الأحداث الثقافية طابعه التشريفي، ليتحول إلى إشارة دعم مؤسساتي يُعدّها المنظمون أنفسهم عنصراً رئيساً في معادلة نجاح تظاهراتهم.

الثاني، تثمين التنوع الثقافي للإقليم دون إقصاء أو تراتب: فالمشهد الثقافي الذي تشكّل احتضن التعبير الأمازيغي الجبلي في إكودار وإنشادن، والحسّاني في ملتقى الخيمة، والسينمائي البيئي في سيدي وساي، والشبابي الإبداعي في بيوكرى، مُثبِتاً أن التنوع رصيد لا عبء.

الثالث، ربط الثقافة بالاقتصاد الترابي: إذ لا تتوقف الرؤية عند الاحتفاء بالموروث، بل تطمح إلى تحويله إلى منتوج سياحي يُدرّ عائداً اقتصادياً حقيقياً لساكنة الإقليم بمختلف تضاريسه.

في المقابل، يظل الرهان الأكبر القادم هو ترجمة الطموح المُعلن في مجال السياحة الثقافية والإيكولوجية إلى مشاريع مُهيكَلة ومُموّلة، تُخرج فضاءات الإكودار والجبل من منطق التجريب نحو منطق الصناعة السياحية المستدامة التي تُشكّل امتداداً طبيعياً لما تحقق في السنة الأولى من بناء هوية ثقافية جامعة لإقليم اشتوكة أيت باها.


آخر المستجدات
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.