الحلقة التاسعة: ثقافة الاعتراف بإقليم اشتوكة أيت باها.. حين يتحول مكتب العامل الصبتي إلى فضاء لاحتضان الأبطال
في المنطق الإداري التقليدي، يظل مكتب العامل فضاءً للملفات والتقارير والقرارات التدبيرية. غير أن ما يجري في مكتب محمد سالم الصبتي بإقليم اشتوكة أيت باها يُقرأ في سياق مختلف: استقبالات متتالية لبنات وأبناء الإقليم المتميزين، يتحوّل فيها كرسي العامل إلى منصة للاعتراف والتقدير، وتُصبح صورة تذكارية واحدة حافزاً يساوي في قيمته المعنوية قراراً إدارياً كاملاً.
خمسة استقبالات، خمس رسائل، خطاب تربوي موحّد
خلال الأشهر الأخيرة، استضاف مكتب عامل الإقليم وجوهاً من مشارب متعددة جمعها خيط واحد: التميز باسم اشتوكة أيت باها.
آية المانوس ، تلميذة في السادسة ابتدائي بمدينة بيوكرى، انتزعت المرتبة الأولى إقليمياً وجهوياً في مسابقة فن الخطابة باللغة العربية، لتمثّل جهة سوس ماسة وطنياً. استقبالها لم يكن بروتوكولاً، بل كان رسالةً موجّهة إلى كل تلميذ في الإقليم: التميزُ يُرى، ويُكافأ، حتى في المرحلة الابتدائية.
حنان اكجضاض ، ابنة حي معلا ببيوكرى، التي عادت بالميدالية الذهبية من البطولة العربية لألعاب القوى للشباب بتونس. هنا لم يكتفِ الصبتي بالاستقبال، بل أكّد أن هذه الكفاءات الرياضية نموذج مشرف لشباب المنطقة، ورسالة إيجابية تعكس الإمكانيات التي يزخر بها الإقليم ـ وهو توظيف خطابي واعٍ للإنجاز الفردي في بناء هوية جماعية للإقليم.

سلسلة بطلات التكواندو من جماعة أيت اعميرة : أمينة الدحاوي التي باتت أول مغربية تُحرز ذهبية بطولة العالم للشباب، ونزهة العسال صاحبة الذهبيتين الإفريقية والعربية، ورانيا الدحاوي بطلة العالم المدرسي بالبرازيل وبطلة المغرب.
هذا الثلاثي الرياضي، المنبثق من جمعية واحدة بجماعة واحدة، يجعل من إقليم اشتوكة أيت باها أحد أعمق الروافد المغربية في رياضة التكواندو، والاستقبال المتكرر لهن في مناسبات متعددة يُكرّس ديمومة العلاقة لا فوريّتها.
أمينة الدحاوي مجدداً ، في استقبال منفرد خصصه عامل الإقليم تكريماً لإنجازها الأخير المتمثل في تتويجها بطلةً للقارة الإفريقية بباماكو، وإحرازها الميدالية النحاسية في منافسات الجائزة الكبرى للتكواندو بروما، بحضور مدربها إلى جانبها. وما يستحق الإشارة هنا أن تكرار الاستقبال لنفس البطلة بمناسبة كل إنجاز جديد يُجسّد بوضوح مبدأ المواكبة المستمرة لا الاحتفاء العابر، وهو ما يميّز ثقافة الاعتراف الحقيقية عن مجرد البروتوكول الرسمي.
والجدير بالذكر أن أمينة الدحاوي باتت من البطلات اللواتي ترهن عليهن الجامعة الملكية لرياضة التكواندو لاعتلاء منصات التتويج في المحافل الدولية.
فريق مجد إنشادن لكرة القدم ، الذي استقبله الصبتي عقب إنجاز غير مسبوق تمثّل في الصعود إلى القسم الثاني هواة شطر الجنوب، قبل خمس دورات من نهاية البطولة، في موسم استثنائي أعاد النادي إلى الواجهة. وهذا الاستقبال يحمل دلالة خاصة: فالاعتراف لا يقتصر على الأفراد، بل يشمل المجموعات والفرق الرياضية التي تحمل اسم الإقليم وتُشرّفه.
لماذا تُحسب هذه الاستقبالات ضمن منطق التدبير الترابي المتميز؟
المحلل الإداري الذي يختزل دور السلطة الإقليمية في تسيير الملفات التقنية يُخطئ في قراءة ما يجري. فالسلطة الترابية في نموذجها الحديث ليست فقط مُنجزةً للمشاريع، بل صانعةٌ للبيئة التحفيزية التي تنبت فيها هذه المشاريع.
حين يستقبل عامل الإقليم تلميذةً في السادسة ابتدائية، فهو لا يُكافئ فرداً؛ بل يُرسّخ لدى المئات من الأسر قناعةً بأن الاستثمار في التعليم والموهبة يحظى باعتراف فعلي من أعلى سلطة ترابية. وحين يستقبل بطلة ذهب إفريقية، فهو يحوّل إنجازاً رياضياً فردياً إلى رأسمال رمزي جماعي لمنطقة كاملة. وحين يستقبل فريقاً كروياً محلياً، فهو يُرسل رسالة واضحة مفادها أن الرياضة الجماعية ليست هامشاً بل ركيزة في منظومة الاهتمام بالشباب.
هذا ما يمكن تسميته ” ثقافة الاعتراف الترابي”: السلطة لا تنتظر أن تأتيها الكفاءات طالبةً الدعم، بل تستدعيها، تُحتفى بها، وتضعها في الضوء.
القاسم المشترك: تنوع القطاعات وتوحّد الرسالة
ما يلفت في هذه الاستقبالات هو تنوع مجالاتها عمداً: التعليم والخطابة، ألعاب القوى، التكواندو، كرة القدم. هذا التنوع ليس عشوائياً؛ بل يُرسّخ في وعي الساكنة أن التميز ليس حكراً على مجال بعينه، وأن الإقليم لا يُكرّم الرياضة على حساب الثقافة، ولا الفرد على حساب المجموعة.
والمُثير في هذا النمط أن المُكرَّمين يتوزعون بين الدائرتين السهلية والجبلية، ما يعني أن عناية السلطة الإقليمية لا تقف عند الحواضر، بل تصل إلى المجال الترابي كاملاً.
بذرة اليوم.. حصاد الغد
ثمة سؤال يطرحه علماء الاجتماع التربوي بإلحاح: ما الذي يدفع طفلاً في منطقة هامشية إلى الإيمان بأن حلمه ممكن؟
الجواب ليس دائماً المنحة المالية، ولا المنشأة الرياضية الفارهة، ولا حتى المنهج الدراسي المتطور. الجواب في أغلب الأحيان أبسط من ذلك وأعمق: أن يرى بعينيه أن أحداً مثله، من حيّه ومدرسته وجماعته، نال الاعتراف ووقف في الضوء.
هذا بالضبط ما تصنعه استقبالات عامل إقليم اشتوكة أيت باها محمد سالم الصبتي حين يفتح مكتبه لتلميذة في السادسة ابتدائية فازت في مسابقة خطابة، أو لبطلة ذهب أفريقية خرجت من حي شعبي ببيوكرى، أو لفتيات صنعن تاريخ التكواندو المغربي انطلاقاً من جماعة أيت اعميرة، أو لشباب رفعوا اسم إنشادن في سماء الملاعب الوطنية.
إنها في جوهرها رسائل بالغة موجَّهة للمستقبل: رسالة إلى كل طفل في دواوير الجبل أن الموهبة لا تُشترط فيها المدينة الكبرى. ورسالة إلى كل فتاة في أحياء بيوكرى أن الحلم الرياضي ليس ترفاً بل مساراً مشروعاً تحترمه السلطة وتُكرّمه. ورسالة إلى كل شاب يُمسك بكرة أو يرتدي حذاء رياضياً أن الاجتهاد والانضباط طريق موصول إلى الاعتراف.
والقيمة المضافة الحقيقية لهذه الاستقبالات تتأكد اليوم بما تزرعه في وعي الساكنة: إقليم يحترم طاقاته البشرية لن يبحث طويلاً عن الكفاءات لأنه يُنتجها ويحتضنها. وإقليم تشعر فيه الأسر بأن أبناءها المتميزين يُشار إليهم بالبنان، سيُنتج من التنافسية الإيجابية ما لا تصنعه ميزانيات كاملة.
كل ما تحتاجه هذه الطاقات هو أن تُرى، وأن تُحترم، وأن تعرف أن ثمة من يتابع إنجازاتها ويفخر بها بكل تقدير. وهاهو الواقع يشهد بذلك..
والظاهر أن هذه الاستقبالات المتواصلة مع كل نصر، تزرع الأمل وترسخ الإيمان بالتحدي والنجاح، في نفوس وقلوب من سيبنون مستقبل اشتوكة غدا..