الحلقة الحادية عشرة: التكوين المهني ورهانات الإدماج السوسيو اقتصادي للشباب فئة NEET بالإقليم

مصطفى وغزيف

يواجه العرض المتاح لمنظومة التكوين المهني بإقليم اشتوكة أيت باها تحدي المحدودية البنيوية مقارنة بالطلب المتزايد، وبالمقارنة مع القدرة الاستيعابية الواسعة التي تتوفر عليها الأقاليم والعمالات المجاورة بجهة سوس ماسة. هذه الفجوة في جغرافية العرض التكويني تكشف عن هامش تطور كبير ما زال متاحاً أمام الإقليم لتوسيع بنيته التحتية ومواكبة احتياجات شبابه الباحثين عن طريق نحو سوق الشغل.

هذه الفئة من الشباب الذين لا يتابعون دراستهم، ولا ينخرطون في تكوين مهني، ولا يشتغلون، تُعرف عالمياً باختصار NEET، وهي عبارة إنجليزية الأصل تعني Not in Education, Employment, or Training، ويقابلها بالفرنسية: Sans emploi, ni étude, ni formation. وبالعربية، تُرجم هذا المفهوم من قبل المؤسسات الرسمية المغربية إلى “الشباب خارج التعليم أو العمل أو التدريب”، أو كما صاغه المجلس الاقتصادي والاجعي والبيئي: “شباب لا يشتغلون، ليسوا بالمدرسة، ولا يتابعون أي تكوين”.

ببساطة: شاب أو شابة يحتاج إلى ثلاثة أبواب مفتوحة في نفس الوقت ـ المدرسة، التكوين، الشغل ـ ولا يجد نفسه في أي منها. وهذا ما يجعل من معالجة هذه الفئة أولوية تنموية حقيقية، تتطلب تعبئة كل الفاعلين المؤسساتيين بالإقليم.

الرأسمال البشري للأجيال الصاعدة

كيف يمكن للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية أن تؤطر مختلف المبادرات الهادفة لإدماج هذه الفئة من الشباب (NEET)؟

لا تكتمل قراءة الوضع دون الوقوف بموضوعية على ما أنجزته المنظومة العمومية في مواجهة إشكالية فئة NEET بإقليم اشتوكة أيت باها. فأهمية هذا الملف لا تكمن فقط في تشخيص طبيعة الإشكالية، بل أيضاً في الإقرار بأن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كانت من أوائل المنظومات التي تنبّهت إلى هذه الفئة قبل أن تتحول إلى أزمة بنيوية، واستبقت رؤى لمعالجتها من جذورها.

أعطت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية دفعة قوية لدعم التعليم الأولي بإقليم اشتوكة أيت باها عبر برنامجها “الدفع بالرأسمال البشري للأجيال الصاعدة”، بهدف ضمان حق التمدرس لأكبر عدد من المستفيدين، خاصة المنحدرين من العالم القروي. وهذا التوجه الاستباقي الذي يستهدف الطفولة المبكرة هو في جوهره وقاية من تكوُّن فئة الـ NEET قبل أن تنشأ؛ فالطفل الذي يلتحق اليوم بوحدة تعليم أولي مهيكلة في دوار قروي هو، بعد سنوات، أقل عرضة بكثير لأن يجد نفسه ضمن صفوف الشباب الذين لا يتعلمون ولا يتكونون ولا يشتغلون.

هذا التنبه المبكر لإشكالية تسجل حضورها في الواقع الراهن يُمثّل في جوهره استثماراً في الوقاية بدل الانتظار حتى تستفحل الظاهرة وتتطلب معالجة أكثر كلفة وتعقيداً. وهو ما يجعل من برنامج الأجيال الصاعدة حلقة أولى لا غنى عنها في أي قراءة شاملة لمسار مكافحة فئة NEET بالإقليم.

أولاً: واقع الإقليم ـ مجال واسع للتوسع الكمي والنوعي

تُظهر الخلاصات المستمدة من تقارير المرصد الوطني للتنمية البشرية بالتعاون مع منظمة اليونيسف، أن الطاقة الاستيعابية لمنظومة التكوين المهني بإقليم اشتوكة أيت باها تحتاج إلى ملاءمة أعمق مع حجم الانتظارات المحلية. وتكشف المقارنة الجغرافية مع الحواضر والأقاليم المجاورة بالجهة عن حاجة البنية التحتية الإقليمية لتوسيع مسالكها وتنويعها، بهدف احتواء فئات المنقطعين عن الدراسة وتوفير بدائل تأهيلية حقيقية لهم.

وتشريح بنية العرض القائم يكشف عن تكامل قائم بين القطاعات؛ حيث تقود مؤسسات القطاع الخاص حصة هامة من العرض التكويني، إلى جانب مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل (OFPPT) كفاعل عمومي أساسي، بالإضافة إلى الإسهام النوعي للقطاعات العمومية الأخرى كالتعليم الفلاحي والتدرج المهني. هذا التوزيع يعكس أهمية الشراكة مع الاستثمار الخاص في تغطية برامج التأهيل بالإقليم، وهو ما يترجم في الوقت ذاته حاجة إقليمية ملحة لتعزيز الشبكة العمومية وتوسيعها لتصل إلى مختلف الجماعات الترابية بشكل لامتمركز.

أما الفجوة الأبرز فتبدو جندرية؛ إذ يسجل حضور الإناث في منظومة التأهيل المهني بالإقليم تراجعاً ملحوظاً. وهذا المؤشر يتقاطع مع ملمح سوسيو-اقتصادي عام يفيد بأن ربات البيوت بالوسط القروي ذوات المسؤوليات العائلية يشكلن الكتلة الصامتة الأكبر ضمن هذه الفئة، مما يوضح كيف يلقي هذا الواقع بظلاله على الفتيات محلياً نتيجة الإكراهات الأسرية وعوائق التنقل الجغرافي.

ثانياً: الجغرافيا والاقتصاد ـ أسباب هيكلية تستدعي تدخلاً متكاملاً

يمثل التوقف عن الدراسة في السلكين الابتدائي والإعدادي، ولا سيما بالجماعات التابعة للمنطقة الجبلية كآيت باها، وتنالت، وهلالة، المغذي الرئيسي لهذه الفئة. وحين تتوفر الرغبة لدى هؤلاء اليافعين في تصحيح مساراتهم عبر قنوات التأهيل المهني البديلة، يصطدمون بعائق التمركز الجغرافي للمعاهد المتخصصة للتكنولوجيا التطبيقية (ISTA) في المراكز الحضرية، الأمر الذي يرفع الكلفة المادية للنقل والإيواء ويقلص من نسب الالتحاق الفعلي.

ويتكامل هذا التحدي الجغرافي المدرسي مع طبيعة الفرص التي يتيحها المحيط الماكرو-اقتصادي المحلي؛ فرغم أن سهل اشتوكة يعد قطباً إنتاجياً وفلاحياً بارزاً قادراً على خلق آلاف فرص الشغل، إلا أن متطلبات الإنتاج والتحولات المرتبطة باستدامة الموارد المائية جعلت هذه العروض ترتكز بنيوياً في أنشطة فلاحية وميدانية موسمية، تتسم بكونها شاقة وقليلة التأهيل ومنخفضة الأجر. وتؤدي هذه الفجوة بين تطلعات الشباب الواعد وبين طبيعة الوظائف المتاحة في السوق إلى نشوء بروفايل سوسيولوجي محدد يوصف بـ”الشباب المحبط” (Découragés)، والذين يفضلون الانكفاء نحو العطالة الطوعية المؤقتة أو الاندماج في أنشطة هامشية غير مهيكلة، بدلاً من الانخراط في فرص عمل لا تضمن لهم مسارات مهنية مستدامة أو تغطية صحية وحماية اجتماعية مستقرة تتيح لهم بناء مشروع حياة كريم.

هذا التشخيص يستدعي بالضرورة تعزيز الجهود المبذولة من المنظومة العمومية لمد الجسور بين السهل والجبل، وهو ما تنخرط فيه فعلياً المبادرة الوطنية للتنمية البشرية عبر برامجها المتعددة.

ثالثاً: نحو تنسيق أفضل بين الفاعلين

يلاحظ تركز تدخلات دعم الشباب في مجال البحث عن الشغل بشكل كلاسيكي على حاملي الشهادات العليا والدبلومات المتخصصة، في حين أن القاعدة العريضة لهذه الفئة بإقليم اشتوكة أيت باها تتكون أساساً من الشباب واليافعين الذين غادروا فصول الدراسة مبكراً دون الحصول على أي مؤهل أو دبلوم، ما يضعهم عملياً خارج رادار الوساطة والمواكبة التقليدية لمنظومة التشغيل.

وفي هذا السياق، ينبغي التنويه بأهمية المجهودات والمبادرات التي تطلقها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية عبر برامج تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب، والتي تُمثل رافعة حقيقية لمعالجة هذا الملف. ويبقى تحقيق اندماج هيكلي وثابت بين هذه البرامج ومؤسسات التكوين المهني من جهة، والمقاولات الفلاحية والتصديرية الكبرى المستقرة في الإقليم من جهة أخرى، ضرورياً للانتقال من الطابع النموذجي الجزئي إلى إطار سياسة إقليمية منسجمة ومستدامة قادرة على استيعاب الشباب في مجالي السهل والجبل معاً دون إقصاء.

رابعاً: مصفوفة الاستدامة ـ آليات مقترحة لتعزيز المسار

في هذا السياق، وتأسيساً على ما سبق، يمكن لمجموعة من الآليات ذات القيمة المضافة الحقيقية أن تُعزز ما تحقق محلياً وترفع من وتيرته.

أولى هذه الآليات هي إرساء نظام “ضمانة الشباب” إقليمياً، عبر مأسسة نظام تتبع رقمي مبكر، يربط بيانات اليافعين المنقطعين عن الدراسة من سن مبكرة بمعطيات السجل الاجتماعي الموحد (RSU)، مما يتيح للفاعلين التربويين والاجتماعيين التدخل الفوري لتقديم عرض تأهيلي أو تدريبي استدراكي للشاب خلال الفترات الأولى من تاريخ انقطاعه، تفادياً لتشكل أثر الندبة النفسية والاجتماعية التي تفرزها العطالة الطويلة.

ويتكامل هذا التدخل الاستباقي مع تفعيل شراكات استراتيجية تعتمد على نظام التمهين والتعلم بالتناوب داخل المقاولات الفلاحية الكبرى المستقرة في سهل ماسة؛ إذ يتيح هذا النظام للشباب في سن مبكرة اكتساب كفاءات مهنية دقيقة داخل بيئة العمل، بشرط اقتران هذا التدريب بتعويض مالي شهري محفز وحماية طبية متكاملة تضمن استقرارهم الاجتماعي وتمنع استغلالهم.

ولتجاوز عائق المسافات، يتطلب الوضع تعبئة الفضاءات والمقرات غير المستغلة بالجماعات الترابية لإطلاق مدارس الفرصة الثانية من الجيل الجديد، مصحوبة بمراكز تكوين متنقلة تقدم تكوينات إشهادية مرنة وقصيرة المدى تتلاءم مع متطلبات الميكنة والفلاحة العصرية والتكنولوجيات المرتبطة بها.

وفي ذات السياق، يصبح من الضروري تكييف العرض التكويني مع واقع المرأة القروية بالإقليم عبر اعتماد نظام نصف اليوم في مراكز التأهيل النسوي وفضاءات التمكين الاقتصادي لتمكين الفتيات من التوفيق بين التعلم والالتزامات الأسرية، مع دمج وحدات للتعليم الأولي بشكل إلزامي داخل هذه المراكز لرعاية أطفال الأمهات الشابات، مما يسهم مباشرة في خفض الفجوة الجندرية المحلية ويمهد الطريق لإدماج حقيقي ومستدام للشباب في الدينامية الاقتصادية للإقليم.

من الوقاية المبكرة إلى الإدماج الكامل..الانطلاقة الحقيقية 

وما يُميّز مسار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بإقليم اشتوكة أيت باها هو هذا التنبه المبكر لإشكالية فئة NEET، عبر استثمار استباقي في الطفولة يستهدف تجفيف منابع الظاهرة قبل أن تتشكل. وهذا الأساس المتين، الذي يبدأ من برنامج الأجيال الصاعدة، يحتاج اليوم إلى استكمال طبيعي عبر توسيع طاقة التكوين المهني وتجويد استهدافه، وتعزيز التنسيق بين كل الفاعلين المؤسساتيين، بما يضمن أن لا يجد طفل اليوم نفسه، مستقبلاً، خارج دوائر التعليم والتكوين والشغل الثلاث.


آخر المستجدات
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.