العامل الصبتي و”الجيل الجديد” من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية: شراكات ترابية في صلب الحماية الاجتماعية (الحلقة الخامسة)
أرقام بالغة الأهمية تفتح الملف، أُعلن عنها خلال الذكرى الحادية والعشرين لانطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مخصصة لجيل جديد من المؤسسات الاجتماعية بإقليم اشتوكة أيت باها. لكنها مؤشرات لا تُقرأ وحدها؛ فخلفها سنة كاملة من اجتماعات اللجنة الإقليمية والمصادقات والحصائل، تشكّل معاً منظومة متكاملة يقودها عامل الإقليم محمد سالم الصبتي وفق منطق واضح.
فعلى امتداد هذه السنة، ظلت اجتماعات اللجنة الإقليمية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية تحمل ملفات محددة تكشف منطق التراكم الذي يحكم العمل. الاجتماع الأول خُصص للمصادقة على مشاريع عديدة من أهمها ما يرتبط بمحور الإدماج الاقتصادي للشباب والاقتصاد التضامني، ومحور التمكين الاقتصادي للمرأة. وهذا التنوع القطاعي ليس عشوائياً؛ هو قراءة واعية للنسيج الاقتصادي لإقليم يجمع بين الكثافة الفلاحية والتنوع الساحلي والحرف التقليدية.

الاجتماع الثاني وفي لغته التقييمية، واصل وضع عتبات نجاعة مالية صريحة لتسريع وثيرة إنجاز المشاريع وتسوية المتعثر منها. اجتماع يضع مؤشرات النجاعة قبل أن يُغلق ملفاته، وهذا التحول في أسلوب الاشتغال هو ما يُفسر لاحقاً حجم ما أُنجز وسرعته.
26 مليون درهم و99 مشروعاً:
كيف بنى الإقليم الريادة الجهوية في ملف الإعاقة؟
مركب التوحد وحاضنات العاملات: استثمار اجتماعي يدمج المقاولة في قلب التنمية الترابية
حين زار عامل الإقليم المعرض المنظم بمناسبة اليوم العالمي للأشخاص في وضعية إعاقة ببيوكرى، لم تكن الأرقام المعروضة عليه استعراضية. 26 مليون درهم ضُخّت في 99 مشروعاً أفرزت 10 مراكز متخصصة تستقبل أكثر من 715 طفلاً، تُشرف عليهم أطقم بشرية تضم أكثر من 122 إطاراً تربوياً وطبياً وإدارياً.
النتيجة التي تختزل كل هذا في مؤشر واحد: اشتوكة أيت باها تحتل المرتبة الأولى جهوياً في عدد المراكز الموجهة للأشخاص في وضعية إعاقة على مستوى سوس ماسة. هذه الريادة تعني ميدانياً أن طفلاً في هذا الإقليم يجد مكاناً متخصصاً أقرب مما يجده نظيره في أي إقليم مجاور. والتحدي أمام الصبتي ليس الوصول إلى هذه المرتبة، بل الحفاظ عليها مع توسيع الخدمة. وهو ما يُفسر القفزة نحو الجيل الجديد من المؤسسات.
أزيد من 16.4 مليون درهم لجيل جديد من مؤسسات الحماية الاجتماعية
5.9 مليون درهم لمركب التوحد: مقاولة فلاحية وفيدرالية جمعوية وجماعة ترابية في مشروع اجتماعي واحد
أبرز مشاريع هذا الجيل الجديد، التي رُصد لها إجمالاً أزيد من 16.4 مليون درهم، مركب إقليمي متخصص في التوحد بجماعة أيت اعميرة بغلاف 5.9 مليون درهم، يضم قطباً للأطفال وآخر للمراهقين وجناح تأهيل وإدماج وقطباً طبياً وشبه طبي. سيخدم أكثر من 200 مستفيد من مختلف جماعات الإقليم، رقم يعني أن المركب يفكر بمنطق إقليمي لا جماعاتي.
لكن ما يعكس بوضوح بصمة الصبتي في هذا المشروع ليس الرقم المالي ولا مساحة البناء، بل هيكل التمويل نفسه: شراكة ثلاثية تجمع الجماعة الترابية بمقاولة فلاحية نشيطة وفيدرالية ذوي الاحتياجات الخاصة. ثلاثة أطراف في مشروع اجتماعي واحد يعني أن تمويله لا يتوقف على اعتماد مركزي وحيد، وأن القطاع الخاص الفلاحي في منطقة يفيض اقتصادها الزراعي بدأ يتعامل مع المسؤولية الاجتماعية كجزء من حساباته لا كهبة اختيارية.
المشروع الثاني في هذه الدفعة يعالج واقعاً يومياً ظل بدون استجابة منظمة: المرأة التي تعمل في حقول المنطقة السهلية لساعات طويلة لا تجد من يرعى أطفالها خلالها. أزيد من 10.5 مليون درهم رُصدت لبناء وتأهيل وتجهيز سلسلة “حاضنات اشتوكن” في جماعتي أيت اعميرة وإنشادن كدفعة أولى، مؤسسات تربوية واجتماعية تستهدف مباشرة أبناء العاملات الزراعيات.


الأثر مزدوج وقابل للقياس: الطفل يدخل مساراً تربوياً مبكراً بدل أن يقضي يومه خارج أي إطار، والمرأة تذهب إلى عملها دون أن تحمل معها هذا القلق اليومي. وحين يُضاف هذا المشروع إلى ما ضخّه الصبتي في أسطول النقل المدرسي بمختلف جماعات الإقليم، تتشكّل صورة متسقة: استثمار ممنهج في مسار التمدرس من أوله، من الحاضنة إلى الحافلة المدرسية، لأن المدرسة التي لا يصلها الطفل لا وجود فعلياً لها في حسابات العدالة التعليمية.

تأمين المسار الدراسي من الحاضنة إلى حجرة الدرس
الشرط الذي يُحدد ما إذا كانت المدرسة موجودة فعلاً
استثمار ضخم في أسطول النقل المدرسي بمختلف جماعات الإقليم. المدرسة التي لا تصلها حافلة في دوار نائٍ أو منطقة جبلية لا معنى لها في الحسابات التعليمية الفعلية. هذا الاستثمار هو ما يجعل كل المشاريع التعليمية الأخرى قابلة للتحقق على أرض الواقع، وما يجعل الريادة الجهوية في ملف الإعاقة والتوحد والتعليم الأولي ذات معنى حين يصل إليها الطفل فعلاً.

النموذج ذاته تجلّى في الصحة. اللجنة الإقليمية للمبادرة نظّمت بشراكة مع المندوبية الإقليمية للصحة والحماية الاجتماعية ومؤسسة البصر الخيرية العالمية حملة جراحية مجانية لعلاج المياه البيضاء بالمستشفى الإقليمي ببيوكرى. مرضى ظلوا سنوات ينتظرون تدخلاً جراحياً لم يستطيعوا تحمّل تكلفته وجدوا فيها استجابة مباشرة. ثلاثة أطراف مرة أخرى، وخدمة صحية فعلية لمن لم تكن المنظومة تصله في العادة. النموذج يتكرر لأنه يُثبت جدواه في كل مرة يُطبَّق.
ثلاثة تحولات تحمل بصمة العامل الصبتي: الاستهداف والشراكة والنجاعة المقيّسة
حين تُقرأ أرقام هذه السنة كلها في سياق واحد، تظهر ثلاثة تحولات ملموسة تحمل بصمة عامل الإقليم بشكل واضح.
الأول: الاستهداف أصبح أدق. لم تعد الفئة المستهدفة كتلة واحدة اسمها “الهشاشة”. طفل التوحد له مركب متخصص، وطفل العاملة الزراعية له حاضنة، والطفل النائي له حافلة، والمريض العاجز عن التنقل له قافلة. كل واحد بإجابة مصممة له.
الثاني: الشراكة متعددة الأطراف انتقلت من الاستثناء إلى القاعدة. في مركب التوحد وفي القافلة الطبية وفي الحاضنات، الدولة ليست الممول الوحيد، والقطاع الخاص والمجتمع المدني يحملان جزءاً من الحساب.
الثالث: اللجنة الإقليمية باتت تشتغل بمعايير نجاعة مكتوبة يُشرف عليها الصبتي شخصياً.