غلاء العقار يخنق الحالمين بالحصول على مسكن لائق في أكادير

اشتوكة بريس

ثمة سؤال عريض يطرحه كثير من أبناء أكادير اليوم بمرارة هادئة: إذا أردت أن تسكن في مدينتك، فماذا تحتاج؟ والجواب الذي يعطيه السوق صريح وقاسٍ في آنٍ واحد: تحتاج ما لا تملكه؛ فالشقة الجديدة في أكادير لم تعد سلعة في متناول الطبقة الوسطى، بل باتت استثماراً يستهدف من يملك رأس المال، لا من يبحث عن سقف يأوي إليه. وبين هذا وذاك، تتعمق أزمة سكنية صامتة تطحن يومياً المئات من الأسر التي لا يتوقف هاتفها عن إعلانات الشقق الفاخرة، بينما تعجز عن دفع ثمن غرفة واحدة!

هؤلاء ليسوا استثناء في أكادير، بل هم القاعدة الصامتة التي تحمل تناقضاً واحداً: يعيشون في مدينة تكبر كل يوم، لكنها تضيق عليهم كل يوم.

من يتصفح اليوم إعلانات السوق العقاري في أكادير يجد نفسه أمام مشهد لافت: الشقق المعروضة في الأحياء المحيطة بالمدينة وفي مناطق الاستثمار الجديدة، لا قياس مع وجود الفارق، الأرقام المشتتة هنا وهناك ليست للمناطق السياحية الراقية فحسب، بل أصبحت مرجعاً لشريحة واسعة من المشاريع السكنية الجديدة.

700 ألف درهم حداً أدنى.. رقم يقول كل شيء

إذا قررت اليوم شراء شقة جديدة في أرجاء هذه المدينة ذات مواصفات عادية في موقع متوسط، فعليك أن تستعد لدفع ما لا يقل عن 700.000 درهم. هذا الرقم ليس تقديراً تقريبياً، بل هو ما تؤكده معطيات السوق الفعلية. فسعر المتر المربع في الأحياء المتوسطة مثل ” تيليلا” يتراوح بين 11.000 و15.000 درهم، ما يجعل شقة من 80 متراً تكلّف بين 850.000 و1.300.000 درهم. وفي حي آخر ك ” تالبرجت” يصل سعر المتر إلى حوالي 14.000 درهم، فيما تُغادر فونتي والمناطق السياحية المنطق الاجتماعي كلياً حين يبلغ المتر المربع فيها ما بين 14.000 و20.000 درهم، لتتراوح أثمنة الشقق بين 1.300.000 و2.500.000 درهم.

أما في أحياء أخرى مثل حي “الهدى” الذي يُعدّ من أكثرها اعتدالاً في الأسعار، فسعر المتر فيه يتراوح بين 7.500 و9.500 درهم، أي أن شقة من 70 متراً تتكلف ما بين 530.000 و665.000 درهم. وحتى هذا الرقم “الأرخص”، يبقى بعيداً عن القدرة الشرائية لغالبية الأسر.

القطاع الخاص يبني لمن يدفع أكثر

قد يقال هنا إن لا لوم على القطاع الخاص في منطق يحكمه العرض والطلب ومتطلبات الربحية. غير أن فهم تركيبة العرض السكني في أكادير ضروري لفهم جذر الأزمة. فبعض الشركات العقارية الكبرى العاملة في المدينة، تتجه في أغلب مشاريعها نحو السكن المتوسط والراقي. يكفي تصفح مشاريعهم لملاحظة أن الكلمات المتكررة هي “سكن متوسط”، “مشروع راق”، “مساحات واسعة”، و”عائد استثماري مرتفع”.

وتفسير ذلك بسيط: في سياق أكادير حيث ارتفعت أسعار الأراضي وتكاليف البناء ومواد الإنجاز، بات هامش الربح في السكن الاقتصادي هزيلاً لا يُغري أي مطوّر خاص. والنتيجة الحتمية لهذا التوجه أن السوق يُنتج بكثافة ما لا يحتاجه غالبية السكان، ويُقلّص ما يحتاجه كثيرون. وهكذا يتوسع الطلب على السكن في المتناول ويتقلّص العرض المستجيب له، وفي المساحة بين الرقمين تعيش مئات الأسر معاناتها الصامتة.

الشقة المغلقة وشقة السياح.. وجهان لأزمة واحدة

ما يُعقّد المشهد أكثر هو أن شح السكن في أكادير ليس شحاً مطلقاً في عدد الوحدات المبنية، بل هو شح في الوحدات المخصصة فعلاً للسكن المستقر. وهنا تبرز ظاهرتان متلازمتان تسحبان المزيد من الشقق من دائرة السكن الحقيقي.

الأولى، هي ما يمكن تسميته بـ”الشقة المغلقة”. فالتمعّن في بعض أحياء أكادير يكشف عن عمارات يُقلّ فيها الضوء الليلي وتخلو من الحركة النهارية، لأن أصحابها اقتنوا شققهم لا للسكن بل كوعاء لحفظ القيمة وانتظار ارتفاع السعر. وهي ممارسة قد تكون مشروعة قانونياً، لكنها تُفضي إلى نتيجة بالغة الأثر اجتماعياً: ندرة اصطناعية في السوق تُرفع بسببها الأثمنة، فيزداد الاستثمار جاذبية، فتُسحب المزيد من الوحدات من دائرة السكن. عجلة تدور في اتجاه واحد لا يستفيد منها الباحث عن سكن.

والثانية، أشد وطأة على النسيج الاجتماعي للأحياء: تحوّل واسع في طبيعة استخدام الشقق في مناطق حيوية كحي السلام والحي المحمدي وتالبرجت، حيث يُفضّل عدد متزايد من الملاك تخصيص شققهم للكراء اليومي الموجّه للسياح والزوار عبر منصات رقمية متخصصة. والحساب الاقتصادي واضح لأصحاب الشقق: ليلة واحدة بالكراء السياحي تعادل أياماً من الكراء الشهري. لكن الحصيلة الاجتماعية لهذا التحوّل هي أن أحياء كانت في جوهرها سكنية للأسر والمقيمين الدائمين، تتحوّل تدريجياً إلى مساحات فندقية متناثرة، فيما يتضاءل الخيار أمام العائلة التي لا تبحث عن غرفة لليلة، بل عن بيت لسنوات.

نمو سكاني متسارع وعرض يتحرك في الاتجاه المعاكس

ويكتسب هذا المشهد بُعداً أكثر إلحاحاً حين يُقرأ في سياقه الديموغرافي، بعد أن تجاوزت ساكنة مدينة أكادير الحضرية عتبة 504.000 نسمة، ما يعني أيضاً انخفاضاً في متوسط حجم الأسرة من 4,6 إلى 3,9 أفراد، وهو ما يمكن أن يرفع، عملياً، من الطلب المتنامي على وحدات سكنية مستقلة بوتيرة تفوق الزيادة الطبيعية في عدد السكان.

ومع ذلك، يسير العرض السكني الموجّه لمحدودي الدخل في الاتجاه المعاكس تماماً: يتقلّص ويتراجع، بينما تتصاعد الأسعار في كل الفئات وترتفع أسعار الكراء. ففي الأحياء الجامعية كحي السلام والداخلة، أبرزت معطيات ميدانية تجاوز كراء الغرفة الواحدة 1.400 درهم شهرياً خلال الموسم الدراسي 2025-2026، فيما تتجاوز شقة من غرفتين 5.000 درهم، وهي أرقام تعكس ضغطاً حقيقياً يطال كل من يبحث عن سكن بالكراء في المدينة.

برنامج دعم السكن.. حاضر لكن مقيّد بشروط السوق

لا يمكن الحديث عن أزمة السكن في أكادير دون الإشارة إلى البرنامج الوطني لدعم السكن للفترة 2024-2028، الذي يُقدّم منحاً مالية مباشرة بقيمة 100.000 درهم للمقتنين الذين يقل سعر سكنهم عن 300.000 درهم، و70.000 درهم لمن يتراوح سعر سكنهم بين 300.000 و700.000 درهم. وهو توجه حكومي إيجابي لا يُمكن إنكار أهميته.

غير أن فاعليته في سياق أكادير تحديداً تبقى رهينة بشرط جوهري: وجود عرض سكني فعلي في الفئة الأولى، أي أقل من 300.000 درهم، داخل المدينة. وهو العرض الذي يكاد يكون غائباً في السوق الراهنة. فدعم 100.000 درهم مفيد جداً، لكنه قد يفقد تأثيره حين لا توجد شقة بـ300.000 درهم يمكن للمستفيد أن يُوجّه إليها دعمه. وهذه الفجوة بين منطق برامج الدعم وواقع السوق هي أحد التحديات الجوهرية التي تستوجب تفكيراً جدياً.

رهان المدينة على سكانها..

والظاهر أن ثمة بُعداً استراتيجياً يتشابك مع كل ما سبق ولا يمكن تجاهله. فأكادير تقف اليوم عند مفترق تحولات كبرى: استضافة المغرب لكأس العالم 2030، ومشاريع بنية تحتية عملاقة ستربط المدينة بشبكة القطار فائق السرعة. هذان المتغيران يُغذّيان موجة توقعات استثمارية متصاعدة، تُترجَم في السوق العقاري إلى ضغط تضخمي واضح على الأسعار في المناطق ذات القيمة التنموية والسياحية.

أكادير مدينة تستحق سياسة سكنية بحجم طموحها. فمدينة تمتلك هذا الثقل الاقتصادي والسياحي والثقافي، وتُسجّل هذه الدينامية الديموغرافية المتسارعة، لا يمكنها أن تُكمل مسار تطورها وهي تُنتج في الوقت ذاته لامساواة سكنية تتعمق كل سنة.

ياسين كوسكار – لوسيت أنفو عربي


آخر المستجدات
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.